رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلى سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ليست مجرد رسالة أب إلى ابنه، ولا مجرد كلمات تهنئة بمناسبة مهمة في مسيرته.
إنها، في جوهرها، أقرب إلى خلاصة تجربة قائد أمضى عقوداً في الحكم والإدارة، يضع أمام ابنه بعض ما تعلمه من الحياة، ومن الناس، ومن مسؤولية السلطة.
منذ بدايتها، تحمل الرسالة بعداً إنسانياً واضحاً، فصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يقول لسمو الشيخ حمدان إنه يفخر به، ليس فقط بما حققه، وإنما بقربه من الناس، وبمحبتهم له.
وبقدرته على أن يكون قريباً منهم في أفراحهم وحياتهم اليومية. وهذه نقطة أساسية في فلسفة الحكم التي تعكسها الرسالة: السلطة لا تكتسب قيمتها من بعدها عن الناس، وإنما من قربها منهم.
لكن الرسالة تنتقل سريعاً من المشاعر الأبوية إلى المسؤولية. فكلما زادت نجاحات حمدان، كما يقول والده، زادت مسؤولياته تجاه الوطن والمواطن والأسرة والأبناء، وأصبح العالم يتطلع إليه ويتابع أعماله. النجاح، في هذه الرؤية، ليس نهاية الطريق، بل بداية لمسؤوليات أكبر.
ومن أهم ما في الرسالة أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لا يقدم لسمو الشيخ حمدان وصفة سياسية أو إدارية، وإنما يضع أمامه دروساً في الحكم استخلصها من تجربته.
يقول إن الناس تحتاج إلى حاكم يسمع قبل أن يحكم، ويرحم قبل أن يعاقب، ويسأل قبل أن يُسأل، ويصل إلى الناس قبل أن يصلوا إليه. وهي كلمات بسيطة، لكنها تختصر تصوراً كاملاً للحكم يقوم على الإنصات والرحمة والمبادرة.
وفي المقابل، يحذر من الظلم. فالظلم، كما تقول الرسالة، لا يدوم، ودعوة المظلوم لا يحجبها شيء عن الله. ولذلك يرتبط العدل في الرسالة ليس فقط بالقانون، وإنما باستقرار الدولة وازدهارها ومكانتها.
ولعل من أكثر الأفكار أهمية حديثه عن الثقة. فالثقة المطلقة بمن حول الحاكم، إذا تحولت إلى غياب للمحاسبة، يمكن أن تصبح مصدراً للخطر. لذلك يدعو إلى وضع أطر للمحاسبة، وعدم ترك مساحة للفساد أو المجاملة.
وفي هذا السياق تأتي نصيحته باختيار الرجال على أساس الصدق والوفاء، لا على أساس ما يقولونه للحاكم.
وتتكرر في الرسالة فكرة تبدو بسيطة لكنها عميقة: أن قوة الحاكم الحقيقية ليست في السلطة التي يمتلكها، وإنما في محبة الناس له.
ولذلك يستشهد بتجارب حكام اقتربوا من شعوبهم فكان لهم مكان في قلوب الناس، بينما خسر آخرون مكانتهم عندما ابتعدوا عن الناس أو أحاطوا أنفسهم بمن يحجب عنهم الحقيقة.
وهنا يضرب مثلاً من تجربة الإمارات بالشيخين الجليلين المغفور لهما، الشيخ زايد بن سلطان والشيخ راشد بن سعيد.
وتصل الرسالة إلى جوهرها: «فليس العظيم من يخدمه الناس، بل من يخدم الناس.. وليست العظمة لمن ملك السلطة على الناس، بل لمن ملك قلوب الناس».
هذه ليست مجرد عبارة جميلة تصلح للاقتباس. إنها ربما أهم ما أراد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أن يقوله لابنه.
فالرسالة في النهاية لا تتحدث فقط عن كيفية إدارة الحكم، بل عن كيفية الحفاظ على الإنسان داخل الحاكم. أن يبقى قريباً من الناس، عادلاً معهم، مستمعاً إليهم، محاسباً لمن حوله، ومدركاً أن السلطة مسؤولية قبل أن تكون امتيازاً.
ولهذا تبدو الرسالة أبعد من مناسبة عائلية. إنها وصية في الحكم والحياة، كتبها أب لابنه، وقائد لقائد، من تجربة عمر إلى بداية عمر جديد من المسؤولية.
