رسالة أب وحكمة قائد

الرسالة التي وجهها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إلى سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، تكشف عن مضمون يتجاوز عاطفة الأب تجاه ابنه، فهي أقرب إلى وثيقة في الحكم، وخلاصة تجربة قيادية امتدت نحو ستة عقود في العمل الحكومي والسياسي.

بلغة أبوية دافئة تبدأ الرسالة: إلى ولي عهدي، وامتداد عمري، وسند مسيرتي حمدان. وهي عبارة تختصر طبيعة العلاقة بين القائدين.. فحمدان ليس ابناً فحسب، وإنما هو امتداد لمسيرة، وحامل أمانة، وشريك في بناء المستقبل. وحين يقول صاحب السمو:

اكتب الرسالة وكلي اعتزاز وفخر بك، فإن هذا الفخر لا يستند إلى رابطة الدم وحدها، وإنما إلى ما يراه في ابنه من صفات القيادة، وما حققه من نجاحات، وما يحظى به من محبة الناس. تحتل محبة الناس موقعاً محورياً في الرسالة..

فسموه يكرر فخره بقرب سمو الشيخ حمدان من مجالس الناس، وتلمسه احتياجاتهم، ورحمته بصغيرهم قبل كبيرهم.. ثم يؤكد أن محبة الناس لا تُشترى، وإنما يمنحها الله لمن يشاء.

هذا المعنى يقدم تصوراً عميقاً للقيادة، فالمنصب قد يمنح صاحبه السلطة، لكنه لا يمنحه المحبة.. والهيبة التي تقوم على الخوف مؤقتة، أما الهيبة المقترنة بالرحمة والعدل والقرب من الناس فهي التي تبقى.

يلفت صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد نظر سمو الشيخ حمدان إلى أن النجاح لا يقلل المسؤوليات، وإنما يزيدها..

وهو يعدد دوائر هذه المسؤولية؛ الوطن، وشبابه، وجنوده، وأمنه، ودبي وأهلها وأبناؤها، واقتصادها وتنافسيتها ومكانتها العالمية، ثم الأسرة والإخوة والأبناء.

هذا التعداد يكشف عن رؤية شاملة للقيادة، فالقائد يقف في مركز دوائر متداخلة، تبدأ من الوطن وتمتد إلى الإنسان والاقتصاد والأسرة.

وكل نجاح يرفع سقف التوقعات، ويجعل القائد تحت أنظار الملايين الذين يترقبون أعماله ويحاسبونه على قراراته.

في قلب الرسالة يقدم صاحب السمو خلاصة تجربته قائلاً إن البشر يحتاجون إلى حاكم يسمع قبل أن يحكم، ويرحم قبل أن يعاقب، ويعطي قبل أن يُسأل، ويصل الناس قبل أن يوصل.

هذه العبارات المكثفة ترسم نموذج الحاكم المنشود، فهو حاكم مبادر، قريب، عادل، رحيم، لا ينتظر وصول الشكوى إليه، وإنما يذهب بنفسه إلى الناس.

وتجمع الرسالة بين قيمتين قد تبدوان متعارضتين هما الشدة والرحمة.. فالعدل يحتاج إلى هيبة، لكنه يحتاج أيضاً إلى قلب رحيم..

والحضارة في هذا التصور، لا تقوم على الحزم وحده، وإنما على التوازن بين القوة والإنصاف. لا تكتفي الرسالة بالحديث عن صفات القائد، وإنما تنتقل إلى اختيار معاونيه..

وهنا يحذر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من المتملقين والمنافقين الذين يخفون الحقائق عن القائد ويبعدونه عن الناس..

فالقائد مهما بلغت قدرته يحتاج إلى من يصدقه، لا إلى من يرضيه.. والمشكلة الكبرى ليست في ارتكاب الخطأ، وإنما في إحاطة القائد بأشخاص يبررون الأخطاء ويحجبون عنه الحقيقة.

تؤكد الرسالة أن الثقة المطلقة بمن حول القائد مفسدة مطلقة، وأن الحكمة تقتضي ترك مسافة تتيح رؤية الأمور بوضوح. كما تحذر من الاعتقاد بأن الحاكم فوق القانون.

وتقرر أن هيبة الدول لا تسقط إلا حين يشعر القوي أنه فوق النظام.. وهذا من أعمق مضامين الرسالة، فالخطر الذي يواجه الحاكم ليس ضعف السلطة دائماً، وإنما تضخمها وانفصالها عن القانون والناس.

وكلما اقترب الحاكم من الناس اقتربت الدولة من الاستقرار والازدهار، لأن محبة الناس تمنحه قوة، وتمنحهم هم الطمأنينة والأمان.

وحين يستحضر صاحب السمو كلا من الشيخ زايد والشيخ راشد، طيب الله ثراهما، فهو يربط الجيل الجديد بجذور التجربة الإماراتية..

لقد جعلا الرحمة بالناس والقرب منهم منهجاً، فبقيا في القلوب والنفوس.. وهذا الاستحضار ليس تاريخياً أو عاطفياً فقط، وإنما هو تحديد للنموذج الذي ينبغي أن تحتذي به القيادة الجديدة، وهو بناء المكانة في قلوب الناس قبل تشييد العمران.

وعلى الرغم من أن الرسالة موجهة إلى سمو الشيخ حمدان، فإنها في حقيقتها رسالة إلى كل مسؤول.. فهي تقول إن المسؤولية ليست امتيازاً، وإن خدمة الناس ليست منة عليهم.

وإن الحاكم لا يكون عظيماً بما يملك من سلطة، وإنما بما يبذل من رحمة وعدل وعطاء. إنها رسالة من أب إلى ابنه، ومن قائد إلى من يواصل المسيرة..

وبين مطلع الرسالة وخاتمتها تتجسد عملية انتقال الخبرة والقيم، لا انتقال المناصب وحدها، فالمناصب تتغير، أما المبادئ وقواعد الحكم التي قامت عليها الإمارات، وفي مقدمتها العدل والرحمة والقرب من الناس وسيادة القانون، فهي الثوابت التي ينبغي أن تظل حاضرة في كل جيل.