شراكة بدأها زايد قبل أكثر من عقدين

حين تقاس العلاقات بين الدول، لا ينبغي أن تقاس فقط بحجم التبادل التجاري أو بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرتها على الاستمرار والتطور والتحول مع الزمن.

والعلاقة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية ألمانيا الاتحادية تقدم نموذجاً واضحاً لشراكة تأسست على رؤية بعيدة المدى، بدأت ملامحها منذ السنوات الأولى لقيام الاتحاد، ثم أخذت منعطفاً استراتيجياً مهماً قبل أكثر من عقدين، في عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.

أقامت الإمارات وألمانيا علاقاتهما الدبلوماسية في مايو 1972، بعد أشهر قليلة من قيام دولة الاتحاد، لكن المحطة المفصلية جاءت عام 2003، عندما اتفق الشيخ زايد والمستشار الألماني آنذاك غيرهارد شرودر على إقامة شراكة استراتيجية بين البلدين، جرى تكريسها رسمياً في أبريل 2004..

ولم يكن ذلك مجرد اتفاق دبلوماسي عابر، بل كان انعكاساً لطريقة الشيخ زايد في بناء علاقات الإمارات الدولية: البحث عن الشريك الموثوق، وبناء المصالح طويلة الأمد، والنظر إلى ما تحتاج إليه الدولة بعد 20 و30 عاماً، لا إلى احتياجات اللحظة فقط.

واليوم، بعد أكثر من عقدين، يمكن رؤية نتائج تلك الرؤية بوضوح.. فألمانيا، بثقلها الصناعي والتكنولوجي والعلمي، وجدت في الإمارات شريكاً يتجاوز مفهوم السوق الاستهلاكية إلى مركز اقتصادي واستثماري إقليمي.

وتشير الخارجية الألمانية إلى وجود نحو ألفي شركة ألمانية في الإمارات، تستخدم كثير منها الدولة قاعدة لأعمالها في المنطقة وأجزاء من آسيا وأفريقيا. كما أصبحت الإمارات أهم شريك اقتصادي لألمانيا في المنطقة، وهو ما يعكس عمق المصالح التي تراكمت على مدى سنوات طويلة.

لكن اللافت أن العلاقة لم تتوقف عند الاقتصاد التقليدي.. ففي الوقت الذي يتجه فيه العالم نحو إعادة تشكيل منظومة الطاقة، نجد الإمارات وألمانيا معاً في ملفات الهيدروجين والطاقة المتجددة والتقنيات منخفضة الكربون. وقد تأسست شراكة الطاقة الإماراتية الألمانية عام 2017، ثم توسعت عام 2021 إلى شراكة للطاقة والمناخ.

وفي سبتمبر 2022 وصلت إلى ميناء هامبورغ أول شحنة تجريبية من الهيدروجين الإماراتي في صورة أمونيا، في خطوة اعتبرتها ألمانيا أساساً لبناء سلسلة مستقبلية لإمدادات الهيدروجين بين البلدين.

وهنا تكمن دلالة مهمة: العلاقة التي بدأت في زمن كان النفط والغاز في قلب الاقتصاد العالمي، أصبحت اليوم شراكة تبحث في طاقة المستقبل.

تغير العالم، وتغيرت التكنولوجيا، وتعاقبت القيادات والحكومات، لكن الأساس الذي وُضع قبل أكثر من عقدين بقي قادراً على إنتاج مجالات جديدة للتعاون. والشراكة أوسع من الطاقة والاقتصاد..

فهناك تعاون علمي وتعليمي وثقافي متراكم، ومدارس ألمانية في أبوظبي ودبي والشارقة، وعشرات الروابط بين المؤسسات الأكاديمية في البلدين..

وليس من المصادفة أن تختار ألمانيا أبوظبي منذ عام 2006 مقراً إقليمياً لمعهد غوته، في امتداد ثقافي وتعليمي للعلاقة الاستراتيجية.

هذه هي قيمة السياسة بعيدة النظر.. فالقيادة لا تبني علاقاتها الدولية من أجل نتائج الغد فقط، بل تزرع اليوم ما قد تحتاج إليه الأجيال بعد عقود..

وهذا تحديداً ما ميز مدرسة الشيخ زايد في السياسة الخارجية: الاعتدال، وبناء الثقة، وتنويع الشراكات، وربط الإمارات بالدول التي تمتلك المعرفة والصناعة والتكنولوجيا والخبرة.

واليوم تواصل دولة الإمارات بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، هذا النهج.

ولكن بأدوات عصر جديد من الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والصناعة المتقدمة إلى الطاقة النظيفة والاستثمار والأمن والاستقرار.

. لهذا، عندما ننظر إلى العلاقة بين الإمارات وألمانيا اليوم، فنحن لا نشاهد قصة بدأت بالأمس، بل ثمرة بذرة سياسية غُرست قبل أكثر من عقدين. إنها شراكة بدأها زايد برؤية، وحافظت عليها الإمارات بالثقة، وتبني بها اليوم جسراً نحو المستقبل.