والعلاقة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية ألمانيا الاتحادية تقدم نموذجاً واضحاً لشراكة تأسست على رؤية بعيدة المدى، بدأت ملامحها منذ السنوات الأولى لقيام الاتحاد، ثم أخذت منعطفاً استراتيجياً مهماً قبل أكثر من عقدين، في عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.
ولم يكن ذلك مجرد اتفاق دبلوماسي عابر، بل كان انعكاساً لطريقة الشيخ زايد في بناء علاقات الإمارات الدولية: البحث عن الشريك الموثوق، وبناء المصالح طويلة الأمد، والنظر إلى ما تحتاج إليه الدولة بعد 20 و30 عاماً، لا إلى احتياجات اللحظة فقط.
وتشير الخارجية الألمانية إلى وجود نحو ألفي شركة ألمانية في الإمارات، تستخدم كثير منها الدولة قاعدة لأعمالها في المنطقة وأجزاء من آسيا وأفريقيا. كما أصبحت الإمارات أهم شريك اقتصادي لألمانيا في المنطقة، وهو ما يعكس عمق المصالح التي تراكمت على مدى سنوات طويلة.
وفي سبتمبر 2022 وصلت إلى ميناء هامبورغ أول شحنة تجريبية من الهيدروجين الإماراتي في صورة أمونيا، في خطوة اعتبرتها ألمانيا أساساً لبناء سلسلة مستقبلية لإمدادات الهيدروجين بين البلدين.
تغير العالم، وتغيرت التكنولوجيا، وتعاقبت القيادات والحكومات، لكن الأساس الذي وُضع قبل أكثر من عقدين بقي قادراً على إنتاج مجالات جديدة للتعاون. والشراكة أوسع من الطاقة والاقتصاد..
فهناك تعاون علمي وتعليمي وثقافي متراكم، ومدارس ألمانية في أبوظبي ودبي والشارقة، وعشرات الروابط بين المؤسسات الأكاديمية في البلدين..
وليس من المصادفة أن تختار ألمانيا أبوظبي منذ عام 2006 مقراً إقليمياً لمعهد غوته، في امتداد ثقافي وتعليمي للعلاقة الاستراتيجية.
وهذا تحديداً ما ميز مدرسة الشيخ زايد في السياسة الخارجية: الاعتدال، وبناء الثقة، وتنويع الشراكات، وربط الإمارات بالدول التي تمتلك المعرفة والصناعة والتكنولوجيا والخبرة.
ولكن بأدوات عصر جديد من الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والصناعة المتقدمة إلى الطاقة النظيفة والاستثمار والأمن والاستقرار.
. لهذا، عندما ننظر إلى العلاقة بين الإمارات وألمانيا اليوم، فنحن لا نشاهد قصة بدأت بالأمس، بل ثمرة بذرة سياسية غُرست قبل أكثر من عقدين. إنها شراكة بدأها زايد برؤية، وحافظت عليها الإمارات بالثقة، وتبني بها اليوم جسراً نحو المستقبل.
