«إذا»... والقيم الإنسانية الجامعة

تُعد قصيدة «إذا» للشاعر البريطاني روديارد كيبلينج واحدةً من أشهر القصائد المفعمة بالنصائح حول ضبط النفس، والشجاعة، والاتزان الفكري. وتقدّم توجيهات عميقة حول كيفية مواجهة تقلّبات الحياة.

والتعامل بحكمة مع حالتي النجاح والفشل، والحفاظ على المبادئ الإنسانية. وقد يتفق البعض مع ما تحمله القصيدة من أفكار، ويختلف معها آخرون، إلا أنها تظل، من النصوص التي تدفع القارئ إلى التوقف والتأمل.

تقول القصيدة في معناها: إذا استطعت أن تحتفظ بتفكيرك السليم في الوقت الذي يفقد فيه من حولك اتزانهم ويلقون عليك باللائمة، وإذا استطعت أن تنتظر دون أن تملّ الانتظار، وألّا تقابل أكاذيب الناس بالأكاذيب، وإذا كرهك الناس لأي سبب كان، ألّا تبادلهم الكراهية بمثلها، وألّا تتظاهر بأنك أفضل الناس أو أكثرهم حكمة.

وإذا استطعت أن تحلم دون أن تسيطر عليك أحلامك، وأن تفكر دون أن تجعل التفكير غايتك الوحيدة، وأن تستقبل النصر.

كما تستقبل الهزيمة، وأن تتحمل نتائج أعمالك، وأن ترى ما كرّست حياتك من أجله يُهدم أمامك، ثم تبدأ من جديد بحب ومن غير تذمّر، وإذا صبرت في وقت لا تملك فيه سوى إرادتك، تصرخ فيك وتهيب بك أن تتماسك وتستمر.

وإذا استطعت أن تتحدث إلى الناس من غير أن تفقد فضائلك، أن تتواضع، وتُصاحب الجميع دون أن تفقد اتصالك بالمجتمع، وألّا تُبعدك المناصب والرتب عن الناس، فتلك منزلةٌ لا تمنحها المناصب، بل يصنعها الوعي وتُثبتها أخلاق الإنسان مهما علا مقامه، وأن تضع بينك وبين الجميع مسافة تحفظ الودّ والاحترام؛ فلا قربٌ يُسقط الهيبة.

ولا بُعدٌ يصنع الجفاء؛ وأن تحسب للناس جميعاً حسابهم، وتمنحهم احترامك دون مبالغة؛ وإذا استطعت أن تملأ كل دقيقة من حياتك بعمل وجهد لهما قيمة؛ فإذا استطعت أن تفعل ذلك كله، فقد ملكت الأرض، وأكثر من ذلك: أصبحت رجلاً يا ولدي.

حقيقة، توقفت كثيراً عند مبادئ هذه القصيدة، وأمعنت النظر في معانيها، وحاولت تحليل ما تحمله من قيم إنسانية وفكرية. وما أدركته أن كثيراً مما دعا إليه كيبلينج قبل أكثر من قرن، من ضبط النفس، والصبر، والثبات، والتواضع، والاتزان ورفعة المبادئ والسجايا، نجده حاضراً بصورة لافتة في قيم مجتمعنا الإماراتي.

ولعل ما يستوقفني هنا أن هذه المبادئ، وإن جاءت في قصيدة غربية شهيرة، ليست غريبة عن ثقافتنا؛ فقد نشأنا على كثير منها، وتوارثناها في تربيتنا ومجالسنا ومواقفنا، حتى أصبحت جزءاً من منظومة القيم التي يقوم عليها المجتمع الإماراتي.

ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل القيم العظيمة تنتمي إلى ثقافة بعينها؟ أم أنها قيم إنسانية جامعة، لأن الحكمة، مهما اختلفت لغتها ومكانها وزمانها، تلتقي في النهاية لدى الإنسان؟