محمد بن راشد إلى محمد بن زايد: حين تكون الدولة أمانة لا إرثاً

لا تكمن أهمية الرسالة التي وجّهها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، إلى أخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في أنها رسالة من قائد إلى قائد، أو من أخ إلى أخ ورفيق درب فحسب، بل في أنها تختصر في كلمات قليلة فلسفة كاملة في بناء الدول واستمرارها:

كيف يتحول الإنجاز إلى مسؤولية، وكيف يصبح الإرث أمانة، ولماذا لا يكفي أن تحافظ الأجيال على ما ورثته، بل عليها أن تضيف إليه قبل أن تسلّمه لمن بعدها.

ولعل اختيار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، أن يبدأ كتابه الجديد «الرسائل»، الجزء الثاني من «علمتني الحياة»، برسالة إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، يحمل دلالة خاصة.

فالكتاب هو خلاصة تجربة تمتد قرابة 6 عقود في العمل العام، والرسالة الأولى فيه ليست مجرد تحية إلى رفيق الدرب، وإنما شهادة على مسيرة وطن، وتأمل في شروط استمرارها.

وقد أوضح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أنه كتب هذه الرسائل لأن «الأعمار تُطوى، لكن الأفكار تكبر وتبقى»، ولأن من الأمانة أن يترك الإنسان ما يختصر الطريق لمن سيحمل الأمانة من بعده.

لكن اللافت أن الرسالة تبدأ من الإنسان، لا من الأرقام ولا من الإنجازات. من صورة طفلة تحلم بأن يكون مستقبلها في بلادها عظيماً، إلى الأطفال الذين يذهبون كل صباح إلى مدارسهم في أمن وأمان وراحة واطمئنان.

وهنا يضع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد معياراً بالغ الأهمية للنجاح: أن تنجح الدولة في أن تمنح أبناءها الثقة بالمستقبل قبل أن يكبروا ليروه.

ومن هذه النقطة ينتقل إلى سؤال أكبر: ماذا تفعل الدول بعد أن تنجح؟

يأتي هنا أحد أبرز مفاصل الرسالة: «علّمتني الحياة يا أخي أن الحضارات لا تتراجع صدفة، بل عندما تتوقف عن التطور، وعندما تقنع بمنجزات الماضي».

هذه ملاحظة شديدة الأهمية، بل ربما تكون الفكرة المركزية في الرسالة كلها. فالدول لا تتراجع دائماً لأنها فشلت؛ قد يبدأ تراجعها عندما تنجح ثم تطمئن إلى نجاحها، وعندما يتحول ما حققته إلى سبب للتوقف عن المنافسة والتجديد.

ولهذا تأتي الإشارة إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد الذي ورث دولة عظيمة من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لكنه «لم يقف ولم يقنع»، بل عزز استقرارها، ونوّع اقتصادها، ورسخ علاقاتها، ودفعها إلى مواكبة الحدود الجديدة للمعارف الإنسانية.

وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل السياسية والفكرية في النص: أن الحفاظ على الدولة لا يعني المحافظة على صورتها التي كانت عليها، وإنما استمرار قدرتها على التطور، فالاستقرار، في هذه الرؤية، ليس نقيض التغيير؛ بل هو الأرضية التي تسمح بالتغيير. والنجاح الاقتصادي لا يصبح ضمانة للمستقبل إلا إذا صاحبه تنويع، واستثمار في الإنسان، وقدرة على دخول مجالات جديدة.

لكن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يذهب أبعد من ذلك، إلى الخطر الذي قد يكون أكثر هدوءاً من أي تهديد خارجي: الراحة.

يقول إن أخطر ما يواجه الدول ليس التهديدات على حدودها، وإنما «الراحة التي تتسلل إلى نفوس شبابها عندما ينتقلون من ثقافة الإنجاز إلى ثقافة الاستحقاق».

وهذه العبارة تستحق التوقف طويلاً. فالدولة يمكن أن تبني أفضل الجامعات والمطارات والمشروعات، وأن تحقق أعلى معدلات النمو، لكن كل ذلك يصبح معرضاً للخطر إذا نشأ جيل يرى ما تحقق حقاً مكتسباً لا نتيجة لجهد وتضحيات أجيال سابقة.

ومن هنا تأتي العبارة التي ربما تختصر فلسفة الرسالة بأكملها: «ما ورثناه ليس مكافأة، بل أمانة نضيف إليها قبل أن نسلّم الراية لمن بعدنا».

ما أعمق هذا التحول في النظر إلى الثروة والإنجاز الوطني. فالموروث ليس ملكاً لجيل بعينه، ولا جائزة حصل عليها الأبناء لأن آباءهم نجحوا. إنه وديعة مؤقتة. والجيل الذي يتسلمها لا يملك حق استهلاكها فقط؛ بل يتحمل مسؤولية تطويرها وتسليمها بحالة أفضل.

ولهذا لا يضع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الهدف عند حدود صنع الثروات، وإنما يرفعه إلى مستوى آخر: صنع الأجيال القادرة على خلق الثروات وهندسة المستقبل.

وهنا يصبح الإنسان أهم من الثروة نفسها. فالمال يمكن أن يصنع فرصاً، لكن الإنسان هو الذي يحافظ عليها ويضاعفها ويخلق فرصاً جديدة عندما تتغير الظروف.

وفي النهاية يعود النص إلى مفهوم القيادة نفسه: «لا يُقاس الإنسان بما يملك من صلاحيات، بل بما يتحمّل من مسؤوليات».

وهذه ربما تكون الخلاصة الأهم. فالسلطة، في هذا التصور، ليست امتيازاً بقدر ما هي عبء ومسؤولية. والقائد لا يُقاس بما يملك من أدوات القرار، وإنما بما يتركه من ثقة في نفوس الناس، وما يبنيه من مؤسسات، وما يهيئه من مستقبل للأجيال التي لم تولد أو لم تكبر بعد.

لذلك تبدو رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، في جوهرها، رسالة إلى أكثر من شخص. إنها رسالة إلى جيل كامل: لا تقيسوا نجاحكم بما ورثتموه، بل بما ستضيفونه إليه. ولا تعتبروا الاستقرار نهاية الطريق، بل شرط لمواصلة السير. ولا تجعلوا الإنجاز سبباً للراحة، لأن الحضارات لا تتراجع صدفة؛ إنها تتراجع عندما تتوقف عن التطور.

وربما لهذا اختار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أن يبدأ «الرسائل» برسالة إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد. فهو يكتب إلى رفيق دربه، لكنه في الحقيقة يكتب أيضاً لنا وللمستقبل.