جريان الحياة

يشبه الإنسانُ الماءَ في رحلته، لا يظل نقيّاً إلا إذا تحرّك، ولا يفقد صفاءه إلا حين يركد. فالماء الجاري، مهما ضاق مجراه أو اتسع، جدولاً كان أم نهراً، يبقى حيّاً ما دام يمضي. أما إذا ركد، فقد صفاءه، وضاق به مكانه، وانحسرت عنه الحياة.

الماء لا يخاصم التضاريس ولا يتشبث بشكل واحد؛ ينساب حين يجب أن ينساب، ويهدر حين تقتضي المنحدرات هديره، ويتجاوز ما يعترض مجراه ليواصل مسيره. يغيّر شكله وطريقه لكنه لا يغيّر طبيعته. وهذه هي حكمة الحياة التي كثيراً ما تتخفّى في تفاصيل الطبيعة: أن الحركة ليست خروجاً عن الاستقرار، بل شرط للاستمرار.

وقد تعلّم الإنسان عبر الزمن أن الحياة لا تستقر على حال، وأن تغيّرها الدائم هو الثابت الوحيد فيها. والتغيير لا يأتي دائماً باختيارنا، فكثيراً ما تفرضه الأيام والظروف وما يجري حولنا، وقد يأتي متدرجاً فلا نكاد نشعر به، أو سريعاً يضعنا أمام واقع لم نألفه، وفي الحالتين يجد الإنسان نفسه مطالباً بأن يفهم ما تغيّر وأن يتعامل معه.

فالعمل تتبدّل أدواته ومتطلباته، والأدوار داخل الأسرة تتغيّر مع مرور السنوات، والعلاقات تتسع أو تضيق، وحتى تفاصيل حياتنا اليومية لا تبقى على حال. ومن لا يواكب هذا الحراك يشعر بأن الحياة تتجاوزه، لا لأنها قاسية، بل لأنه بقي واقفاً بينما كل ما حوله يتحرك.

لكن مواكبة التغيير لا تقتصر على التعامل مع ما يستجد من حولنا، بل تمتد إلى موقف الإنسان من التغيير نفسه. فبعض الناس يتقبّلون التغيير حين ينسجم مع ما يريدون، ويقاومونه حين يمسّ مصالحهم أو عاداتهم أو قناعاتهم، وآخرون يدعون إليه ما دام بعيداً عنهم، ثم يترددون عندما يصبحون جزءاً منه.

وتغيير الإنسان لنفسه لا يعني أن ينقلب على ما كان عليه، بل أن يعرف متى يتمسك بما لديه ومتى يتخلى عما لم يعد ينفعه. بعض العادات تخدمنا زمناً ثم تصبح عبئاً، وبعض الأفكار تصلح لمرحلة ثم تضيق بها مرحلة أخرى.

الماء لا يمنح الحياة بسكونه، بل بجريانه؛ يمضي فتسري الحياة معه، وكذلك الإنسان لا تكفيه قدراته ما لم تبقَ فيه رغبة الحركة والتجدد. ولهذا كان التغيير نهر الحياة الذي لا يتوقف: ماءً لا يركد وجرياناً لا ينتهي.