أم الإمارات.. مسيرة لا حدود لها

منذ أكثر من 5 عقود، وسمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات»، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، تفتح أمام المرأة الإماراتية باباً.

وما إن تعبره حتى تفتح أمامها باباً آخر. وربما لهذا استوقفني شعار يوم المرأة الإماراتية لهذا العام «بنظهر الأقوى والأفضل»..

فأنا أنتمي إلى جيل عاش هذه المسيرة منذ بداياتها، ورأى أحلام الفتاة الإماراتية تكبر من مقاعد التعليم الأولى إلى الجامعات ومراكز البحث والدبلوماسية والاقتصاد والطب والهندسة والفضاء.. وأجد في الشعار معنى رافق فكر «أم الإمارات» طويلاً: كل وصول يفتح أفقاً لطموح جديد.

وقد تحدثت قبل أيام، خلال استضافة كريمة من بنك المشرق بمناسبة يوم المرأة الإماراتية، عن جوانب من هذه الرحلة وعن تجربتي في الجامعة والعمل الثقافي والاجتماعي.

وبينما كنت أستمع إلى جيل جديد من بنات الإمارات، عدت بذاكرتي إلى سبعينيات القرن الماضي. كم تغيرت الصورة! وكم تغيرت معها أسئلتنا حول تعليم المرأة وعملها ومشاركتها في المجتمع!

من عاش تلك المرحلة يعرف قيمة الرؤية بعيدة المدى.. وكان تأسيس الاتحاد النسائي العام عام 1975 بقيادة سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، محطة مهمة في تحويل طموحات المرأة إلى عمل مؤسسي منظم.

ومنذ ذلك الوقت، واكبت «أم الإمارات» احتياجات المرأة مع تطور المجتمع، من التعليم والصحة والأسرة إلى القيادة وريادة الأعمال والدبلوماسية والعلوم والتكنولوجيا.

وأقرأ هذه المسيرة دائماً من زاوية علم الاجتماع.. فالتحول الذي شهدناه جرى داخل المجتمع والأسرة والمؤسسة، ورافقته سياسات تتطور مع احتياجات المرأة..

والنتائج أصبحت أمامنا اليوم، فالمرأة الإماراتية حاضرة في مواقع صنع القرار والقطاعات العلمية والفنية والميدانية، وتحمل مسؤوليات كان جيلنا يشاهد بدايات الطريق إليها.

ويستوقفني بصورة خاصة أن مشروع «أم الإمارات» أبقى الأسرة والهوية حاضرتين في قلب هذا التقدم.. وهذه مسألة قريبة جداً من تجربتي في علم الاجتماع والتراث..

فالمرأة الإماراتية حملت عبر أجيال جانباً كبيراً من ذاكرتنا الثقافية، اللغة والحكاية والشعر والسنع والضيافة والحرف والطعام واللباس وطرق تربية الأبناء.. ثم حملت هذه الذاكرة معها إلى المدرسة والجامعة والمؤسسة.

رأيت ذلك بنفسي خلال سنوات طويلة من البحث والعمل الثقافي والتراثي.. التقيت نساء يحملن معرفة يصعب أن نجدها في الكتب، أسماء ومفردات وأشعاراً وحكايات ومهارات وطرائق عيش.

وكلما استمعت إليهن ازددت اقتناعاً بأن المرأة الإماراتية مارست صون الثقافة قبل أن نتداول نحن الباحثين مصطلحات «الصون» و«التراث الثقافي غير المادي».

ومن هنا أفهم العمق في «رؤية أم الإمارات 5050»، التي أطلقت العام الماضي وتمتد إلى عام 2075.. بعد 50 عاماً من البناء، تضع «أم الإمارات» أمام بناتها أفق 50 عاماً أخرى، مع حضور الأسرة والهوية الوطنية والقيادة والتأثير المحلي والعالمي..

حسب تصوري، هنا يكمن أحد أسرار مسيرتها: إنها تقرأ ما تحتاج إليه المرأة في زمنها، ثم تنظر إلى ما ستحتاج إليه في الزمن القادم.. ولهذا يحمل شعار «بنظهر الأقوى والأفضل» مسؤولية معرفية وثقافية أيضاً..

فابنة الإمارات تدخل اليوم الذكاء الاصطناعي والفضاء والطاقة والدبلوماسية والبحث العلمي، وتحمل معها معرفة بوطنها وذاكرته وقيمه..

ويأتي توجيه سموها بامتداد الاحتفاء هذا العام من 28 أغسطس إلى 28 سبتمبر ليمنح المؤسسات والمجتمع مساحة أوسع للسؤال عن المرحلة القادمة.

وبعد نحو 45 عاماً قضيتها بين الجامعة والبحث وعلم الاجتماع والعمل الثقافي والتراثي، أنظر اليوم إلى بنات الإمارات بشعور مختلف.. نحن رأينا البدايات، وهن يعشن نتائجها.. كان سؤال جيلنا: كيف نفتح الطريق أمام المرأة؟.. وجيل اليوم يقف أمام سؤال أكبر: إلى أين يمكن أن يصل بهذا الطريق؟

وأعتقد أن «أم الإمارات» أجابت عنه بمسيرتها قبل كلماتها: كل أفق تصل إليه ابنة الإمارات يفتح أمامها أفقاً آخر.

فقد رأينا الفتاة الإماراتية تدخل أبواب التعليم، ثم رأيناها باحثة تكتشف، ودبلوماسية تمثل وطنها، ومهندسة تعمل في الميدان، وقيادية تشارك في صناعة القرار، وأماً تحمل إلى أبنائها هوية وطن وذاكرة مجتمع..

اتسعت أمامها ميادين الحياة، وكبرت معها المسؤولية، وظل الإنسان والأسرة والوطن في قلب هذه الرحلة.

وفي يوم المرأة الإماراتية، نبارك لبنات الإمارات ما بلغنه وما ينتظرهن من آفاق، ونرفع أسمى معاني الوفاء والتقدير إلى سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات»، التي آمنت بابنة الإمارات، ورافقتها جيلاً بعد جيل.

وظلت كلما بلغت المرأة أفقاً تفتح أمامها أفقاً أبعد، لهذا قلتها وأقولها خلال عقود عشت فيها هذه التحولات وكنت شاهدة على كثير من فصولها إن «أم الإمارات» مسيرة لا حدود لها.