مسعود بزشكيان، الرئيس الإيراني، رجل غير سعيد على ما يبدو.. ليس لأن المنصب أقل مما توقع، ولكن لأن الرجل يقول كلاماً واضحاً، (نحن لا نريد الحرب) ثم يكتشف أن في طهران من يقول كلاماً آخر مناقض.
وربما يعمل في اتجاه معاكس تماماً.. وهذه ليست مشكلة شخصية للرئيس، بقدر ما هي مشكلة في بنية القرار الإيراني نفسه.
بزشكيان يكرر بصيغ مختلفة، فكرة بسيطة: اذهبوا إلى السلام، فهو أفضل لإيران اليوم وأكثر ربحية.. الرجل طبيب قلب قبل أن يكون سياسياً، وربما ينظر إلى بلاده.
كما ينظر الطبيب إلى قلب مريض أنهكته العلاجات الطويلة، ويعرف أن الاستمرار بالطريقة نفسها لن يؤدي إلا إلى مزيد من الإنهاك.. الاقتصاد متعب، والمجتمع يريد حياة طبيعية، والمنطقة حول إيران تتغير، وورقة هرمز تتقلص وتفشل.
إلا أن صوت الرئيس لا يبدو الأعلى في طهران.. هناك الحرس الثوري، ومؤسسات دينية وأمنية، وشخصيات سياسية ترى أن التراجع في الخطاب بداية تراجع في المشروع كله..
لذلك تسمع تصريحاً من الرئيس يدعو إلى التهدئة، ثم يأتي تصريح آخر أكثر تشدداً من مكان آخر في الدولة.. هنا تقع المعضلة: من يتحدث باسم إيران؟ ومن يستطيع أن يقرر؟ احتار حتى الوسطاء!
هذه الازدواجية قد تكون نافعة في زمن المناورة.. يرسل طرف رسالة تصعيد، ويرسل آخر رسالة تهدئة، وتبقى الأبواب مفتوحة لاتفاق جمعي، لكنها تصبح عبئاً عندما تصل الدولة إلى مفترق يحتاج قراراً واضحاً:
حرب أم سلام؟.. تفاوض أم مواجهة؟.. يستحيل على دولة أن تسير طويلاً في اتجاهين متعاكسين في الوقت نفسه.
لسنوات امتلكت طهران أوراقاً اعتقدت أنها كافية لردع خصومها.. كان مضيق هرمز أهمها.. مجرد التهديد بإغلاقه كان يرفع حرارة الأسواق ويقلق العواصم..
إلا أن هذه الورقة لم تعد كما كانت، طرق نقل الطاقة تعددت، كما أن استخدام المضيق سلاحاً قد يؤذي إيران نفسها، ويجمع ضدها أطرافاً كانت تفضل البقاء بعيداً عن المواجهة كما حدث لبعض دول أوروبا.
وكان هناك رهان آخر: أن الولايات المتحدة ستتعب بطول الصراع، تتغير الإدارات، ينشغل الرأي العام الأمريكي، ثم تأتي اللحظة التي تقرر فيها واشنطن أن الشرق الأوسط لا يستحق التكلفة.. ذلك كان أملاً مفرطاً في التفاؤل..
أمريكا قد تتعب من حرب، ولكنها لا تتخلى بسهولة عن مصالحها، أمن الطاقة، وحرية الملاحة، وأمن حلفائها، ومنع انتشار السلاح النووي، مصالح تتجاوز اسم الرئيس الموجود في البيت الأبيض.
كما أن أوراق إيران الإقليمية ليست في أفضل أحوالها، الأذرع التي صرفت عليها الكثير من المال الإيراني خلال سنوات طويلة تعرضت لضربات، وكلفة الاحتفاظ بها ارتفعت، ما كان يبدو قبل سنوات شبكة قوة تحيط بالخصوم، تتحول اليوم إلى شبكة التزامات تستنزف أصحابها.
ربما يرى بزشكيان هذه الصورة، ولذلك يريد مخرجاً أقل كلفة.. إلا أن معرفة الطريق شيء، والقدرة على السير فيه شيء آخر.. فالسلام نفسه يحتاج إلى قرار، والقرار يحتاج إلى جهة تستطيع أن تقول نعم ويلتزم الآخرون بها.
وهنا صعوبة الملف الإيراني اليوم.. المشكلة ليست فقط ماذا تريد إيران، ولكن أي إيران هي التي تريد؟.. إيران الرئيس، أم إيران الحرس، أم إيران المؤسسات الأخرى؟.
. وأي واحدة منها تملك الكلمة الأخيرة؟.. لقد بني النظام بطريقة معقدة أدخلته أخيراً في نفق مسدود، وربما لهذا تبدو رسائل طهران إلى الخارج مرتبكة، وأحياناً متناقضة..
المفاوض لا يعرف دائماً إن كان الاتفاق الذي يصل إليه مع جهة سيصمد أمام اعتراض جهة أخرى.. وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن الدول لا تفاوض النيات، بل تفاوض سلطة قادرة على تنفيذ ما تتعهد به.. من دون ذلك تصبح كل تسوية مؤقتة، وكل تهدئة معرضة للانقلاب عليها.. لذلك يبدو مسعود الإيراني غير سعيد!