بروحٍ إنسانيّة نادرة، وبذكاء القائد اللمّاح كانت شخصيّة صاحب السموّ الشيخ محمّد بن زايد آل نهيّان، رئيس الدولة، حفظه الله، هي المركز الّذي تأسّست عليه تأمّلات صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، الّذي أطلق كتابه الجديد «الرسائل» وافتتحه برسالة في غاية العمق والرصانة والأمل منحها عنواناً واضحاً هو:

«رسالة إلى أخي محمّد بن زايد» لتكون طليعة لمجموعةٍ من الرسائل الّتي تنطوي على الرؤى العميقة لصاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد في السياسة والإدارة والحكم والإنسانية، ولتكون جزءاً ثانياً يكمّل الجزء الأول الّذي صدر بعنوان «علّمتني الحياة» .

واشتمل على أعمق الدروس والمواقف الّتي استلهمها صاحب السموّ خلال مسيرته الطويلة في الحكم، وقدّمها كخبرةٍ دانية القطاف للأجيال الطالعة في مسيرة الوطن، ليظلّ صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد معلِّماً مُلهماً، وقائداً استثنائيّاً لم يزدد على مرور الأيّام إلا محبة لشعبه، والتصاقاً بآماله وأحلامه.

تنتمي الرسالة في شكلها الخارجيّ إلى النصوص الطويلة، وهذا يعني أنّ هناك صعوبة في الوقوف مع أفكارها فكرة فكرة وفقرة فقرة.

وسيكون استلهام محتواها وفهم مغزاها هو الوسيلة المثلى لإضاءة هذه الرسالة البديعة، والّتي تلخّص في جوهرها العميق روح الإخاء والتلاحم بين قادة الوطن في شتى مواقعهم.

وهي بذلك تحمل بشارة خير وسلام لكلّ من يرى هذا النمط الفريد من المحبة والوفاء بين رجال الوطن الّذين نهلوا أصفى دروس الوفاء والرجولة والفروسيّة الأخلاقيّة في مدرسة حكيم الجزيرة وفارس الدولة وباني نهضتها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيّان، رحمه الله، الّذي حضر بقوّة في فاتحة هذه الرسالة حين قال صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد مخاطباً صاحب السموّ الشيخ محمّد بن زايد:

«إلى الأخ الّذي شاركته حب زايد، ورأيت فيه حكمة زايد، ورحمة زايد، وبصيرة زايد» لتكون هذه الكلمات مفتاحاً لكلّ ما بعدها من ملامح التفرّد في شخصيّة رئيس الدولة الّذي تربطه بصاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد علاقة فريدة الجوهر تتجلّى في هذا الحُبِّ الصّافي والإيثار الملحوظ والثناء الصادق لتكون ثمرة ذلك كلّه هي المعرفة الدقيقة بجوهر الشخصية:

قائداً ورفيقاً وصديقاً وإنساناً وزعيماً مُلهِماً ورئيساً لهذا الوطن الجميل الّذي لم تتوقف مسيرته عند حدود ما تمّ إنجازه بل بلغ به صاحب السموّ رئيس الدولة أعلى مرتبة حضاريّة تؤكِّد أنّ الطموح ليس له حدود، وأنّ العزيمة قادرة على صناعة المنجزات الّتي تستحق البقاء والخلود.

ولكي تكتمل ملامح الكمال في شخصية رئيس الدولة في قلب قارئ هذه الرسالة أشار صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد إلى الجانب العسكريّ في شخصيّة صاحب السموّ الشيخ محمّد بن زايد، وكيف أنّ هذا القائد الجسور ليس قائداً سياسيّاً محنّكاً فحسب بل هو قائدٌ ميدانيٌّ تعرفه جبهات القتال وميادين الشرف والرجولة.

فالكويت وكوسوفو وكثير من المناطق الّتي شهدت أزمات سياسية تعرف الحضور القويّ لرئيس الدولة كقائدٍ عسكريٍّ متمرّس يحظى باحترام الدول، ويقدّم النموذج الشجاع للقائد، تماماً مثلما يتميّز بالبصيرة السياسيّة في إدارة العلاقات الدوليّة بكلّ كفاءة وشجاعة واقتدار.

إنّ قائداً يمتلك مثل هذه المناقب الرائعة سيكون له أعمق الأثر في حياة أبناء وطنه، فأخلاق القادة تنعكس على حياة شعوبهم قولاً واحداً، فمن كان قصير النظر سريع الغضب جَلَب لشعبه كلّ أسباب الخراب والدمار، ومن كان حكيم الفكر، بعيد النظر عاش معه شعبه في قمّة الأمن والسلام.

ومن هنا جاءت هذه الالتفاتة الرائعة في الرسالة إلى الطفلة الّتي تخرج كلّ صباح وهي مملوءة الروح بالأمان والأمل لتكون هذه الإشارة رسالة داخل الرسالة إلى الإنسانية كلّها خلاصتها: حين يأمن الأطفال على حياتهم، وتزدهر أرواحهم بالأمل يكون الوطن في قمّة الخير، ومن هنا جاء هذا التعقيب الرائع من صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد على هذه الحالة حين قال:

«زرع الثقة والأمان والتفاؤل في نفس طفلة أعظم منجزاتك يا أخي» فهناءة الأطفال وشعورهم الصادق بالأمان هما أعظم مظهرٍ من مظاهر قوّة الدولة وتحمّلها للمسؤوليّة الأخلاقيّة والاجتماعيّة تجاه أجيال المستقبل.

وهذا بلا شكّ من أظهر ملامح عمق البصيرة في كلام صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد الّذي اختار هذه الشريحة من المجتمع لتكون هي الرمز لروح الأمل والأمان في قلب مجتمع يشهد أعظم معالم النشاط والحركة والازدهار.

ولأنّ العِلم هو الروح الّتي تسري في جسد الدولة والمجتمع وتمنحهما الحياة الحقيقية أشاد صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد بالمتابعة الحثيثة من لدن صاحب السموّ الشيخ محمّد بن زايد لمسيرة العلم والتعليم والمؤسسات التعليميّة في الوطن، وكيف أنّ الأفكار تحوّلت إلى مؤسّسات.

وأنّ هذا الوطن قد أصبح أكثر حكمة من الزمن الّذي يحتويه، لتنعطف الرسالة بعد ذلك نحو أسلوب الخطاب المباشر لرئيس الدولة وتتوقّف عند الدروس العميقة الّتي تعلمها صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد من تجارب الحياة.

حيث أكّد أنّ روح الوطن الّتي توحّد الجميع هي الإنجاز الأهمّ والأكثر قيمة في سياق بناء المجتمع والإنسان، لأنّ هذه الروح هي الّتي تجمع الطاقات وتصهر القلوب في بوتقة المحبة وتوقظ القوى الكامنة.

وتلتفّ بكلّ وعي حول القائد الّذي هو روح الوطن الّذي تجتمع حوله القلوب وتسير خلفه الطلائع بقلبٍ واحد وساعدٍ قوي وعزيمةٍ لا تلين.

ولأنّ القائد العظيم لا يكتفي بالمحافظة على المنجزات بل يُضيف إليها ويُعلي بناءها، فقد أشاد صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد بالروح القويّة لرئيس الدولة الّذي لم يقبل بالوقوف عند ما تمّ إنجازه عبر مسيرة الدولة وهو إنجازٌ عظيم.

ولكنّه شقّ طريقاً جديداً في جميع مسارات البناء والتطوّر والتنوّع الاقتصاديّ والانفتاح الثقافي، مؤكِّداً أنّ أخطر ما يواجه الدولة والمجتمع هو الركون إلى منطقة الراحة والانتقال من ثقافة الإنجاز إلى ثقافة الاستحقاق، فكان رئيس الدولة متيقّظاً لهذه الحالة وصمّم على الاستثمار في الإنسان باعتباره صمام الأمان لمسيرة الوطن في التقدم والازدهار.

ثمّ اختتم صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد هذه الرسالة الفريدة بالتأكيد أنّ الإنسان لا يُقاس بما يملكه من صلاحيّات بل بما يتحمّله من مسؤوليّات، ورئيس الدولة اليوم يحمل أمانة هذا الوطن بكلّ أطيافه بعد أن التزم بها بعهد الله أمام الله والتاريخ والناس، فأدّاها على خير وجه، ونصح لوطنه وأبناء شعبه، لتكون الخاتمة تأكيداً على أنّ هذا الشعب كلّه يمشي خلف قائده المؤتمن على الوطن والإنسان في رحلة عظيمة سيكتبها التاريخ بأحرف من نور.