في تاريخ الدول، لا يُقاس إرث المؤسسين فقط بما تركوه من مؤسسات ومدن ومنجزات، بل بما يبقى من رؤيتهم حاضراً في سلوك الدولة بعد رحيلهم. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى إرث المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه. فقد ارتبط مشروعه منذ البدايات ببناء المشروع الوطني الإماراتي القوي، لكن القوة في رؤيته لم تكن غاية في ذاتها، وإنما مسؤولية، والازدهار لم يكن شأناً داخلياً منفصلاً عما يحدث خارج الحدود.
لهذا يصعب النظر إلى الحضور الإنساني الإماراتي اليوم باعتباره سلسلة من المبادرات التي فرضتها أزمات متفرقة. حين تصل المساعدات الإماراتية إلى فلسطين والسودان ولبنان وسوريا، وتمتد إلى دول في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، فإن وراء هذا الانتشار معنى يتجاوز الاستجابة الطارئة. فالإمارات تتحرك من قناعة ترسخت منذ قيام الاتحاد بأن ما تمتلكه الدولة من قدرة لا تكتمل قيمته إلا عندما يكون جزء منه في خدمة الإنسان، خصوصاً عندما تضعه الحرب أو الكارثة أو الفقر أمام ظروف تفوق قدرته على الاحتمال.
هذه الفكرة تكشف جانباً مهماً من المشروع الوطني الذي وضع الشيخ زايد أسسه. فقد كان بناء الإنسان في الداخل في قلب مشروع الاتحاد، لكن الإنسان خارج حدود الإمارات لم يكن بعيداً عن هذا التصور. وهنا تكمن إحدى السمات التي ميزت نهج زايد: لم ينظر إلى الثروة باعتبارها ما تحتفظ به الدولة لنفسها، وإنما باعتبارها أيضاً ما تستطيع أن تصنع به أثراً يتجاوزها. وبمرور السنوات، لم يعد هذا التصور مرتبطاً بشخص المؤسس، بل أصبح جزءاً من ثقافة الدولة وطريقة حضورها في العالم.
ولعل هذا هو المعنى الحقيقي للإرث. فالإرث الذي يعتمد على الذاكرة وحدها يضعف مع تعاقب الأجيال، أما الإرث الذي يتحول إلى ممارسة فإنه يتجدد في كل مرة. وبعد عقود من رحيل الشيخ زايد، لا يزال أثر رؤيته يظهر عندما تتحرك الإمارات إلى منطقة منكوبة، أو ترسل الغذاء والدواء إلى مجتمع تحاصره الحرب، أو تقف إلى جانب شعب باغتته كارثة طبيعية. في تلك اللحظات، لا يعود إرث المؤسس قصة تُروى عن الماضي، بل يصبح فعلاً يحدث في الحاضر.
وتحت قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، استمر هذا النهج واتسعت أدواته ومساحاته. وهذا الاستمرار يحمل دلالة تتجاوز العمل الإنساني نفسه؛ فهو يعكس قدرة الدولة على أن تتقدم نحو المستقبل من دون أن تفقد القيم التي قامت عليها. فالإمارات التي تستثمر في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والفضاء واقتصاد المستقبل هي نفسها التي ترسل طائراتها وسفنها إلى مناطق الأزمات. وقد يبدو الأمران مختلفين، لكنهما يلتقيان عند فكرة أساسية في المشروع الإماراتي: إن التقدم الحقيقي يجب أن ينعكس في حياة الإنسان.
ومن هنا، فإن المساعدات الخارجية ليست هامشاً منفصلاً عن قصة نجاح الإمارات، بل امتداد لها. فالدولة التي استطاعت خلال عقود قليلة أن تنتقل من تحديات البدايات إلى موقع متقدم عالمياً، تحمل في ذاكرتها معنى الحاجة وقيمة التضامن. وربما لهذا اكتسب العطاء مكانته في الوعي الإماراتي.
والأهم أن هذا النهج لا يتوقف عند اعتبارات الجغرافيا أو الدين أو الثقافة. فالإنسان الذي فقد منزله في كارثة، والأم التي تبحث عن دواء لطفلها، والنازح الذي اضطر إلى ترك أرضه، لا يحتاجون في لحظة المحنة إلى مزيد من التصنيفات، بل إلى من يراهم أولاً بوصفهم بشراً. ومن هنا تكتسب المساعدة معناها الأخلاقي؛ فهي لا تلغي السياسة ولا اختلاف المصالح بين الدول، لكنها ترفض أن يكون الإنسان هو من يدفع دائماً ثمن تلك الاختلافات.
لذلك فإن قيمة المساعدات الإماراتية لا يمكن اختزالها في حجم الأموال أو عدد الطائرات أو أطنان المواد الإغاثية. هذه الأرقام مهمة، لكنها تقيس ما خرج من الإمارات ولا تستطيع دائماً أن تقيس ما بقي بعد وصوله. فما يبقى قد يكون حياة أنقذها دواء، أو أسرة استعادت شيئاً من الأمان، أو طفلاً وجد طعاماً في يوم لم يكن يعرف فيه من أين ستأتي وجبته التالية.
وهنا يصبح للحضور الإنساني معنى آخر. فالدول تصنع مكانتها بالقوة والاقتصاد والدبلوماسية، لكنها تصنع صورتها في ذاكرة الشعوب بالطريقة التي حضرت بها في أوقات الشدة. وقد ينسى الإنسان بعد سنوات اسم الطائرة التي حملت المساعدة أو حجم الشحنة التي وصلت إليه، لكنه نادراً ما ينسى من وقف إلى جانبه عندما كان في أشد الحاجة إلى ذلك.
ربما كان هذا أحد أعمق ما بقي من مدرسة الشيخ زايد: أن قوة الدولة لا تظهر فقط في قدرتها على حماية مصالحها وصناعة مستقبلها، بل أيضاً في قدرتها على أن تجعل من نجاحها مساحة يستفيد منها الآخرون. ولهذا فإن المساعدات التي تعبر من الإمارات إلى مناطق مختلفة من العالم اليوم لا تحمل الغذاء والدواء وحدهما؛ إنها تحمل معها فكرة بدأت مع الاتحاد، ثم كبرت معه، وأصبحت جزءاً من شخصيته.
وهنا ربما يكون إرث زايد في أنقى صوره؛ ليس إرثاً محفوظاً في الماضي، وإنما قيمة ما زالت تتحرك في الحاضر. فالمؤسس لا يبقى حاضراً لأن اسمه يتكرر، بل لأن الفكرة التي آمن بها تظل قادرة على توجيه وطن من بعده. وفي حالة الإمارات، ما زالت تلك الفكرة تعبر الحدود كل يوم: أن بناء وطن قوي لا يكتمل بما يحققه لنفسه فقط، بل بما يستطيع أن يقدمه للإنسان حين يحتاج إليه.
