لحظة الخليج الحالية مختلفة تماماً عما سبق وحدث في العقود الماضية، ما يحدث اليوم في منطقة الخليج العربي من الحرب الأمريكية الإيرانية، والاعتداءات الإيرانية المستمرة على دول المنطقة، لا يمكن اعتباره مجرد ظرف إقليمي عابر، وليس مجرد تصاعد في حدة الصراع، بل هو تحول جذري في طبيعة النظام الدولي والبيئة الاستراتيجية المحيطة بالمنطقة.
ومن هنا تنطلق دول الخليج العربي لإعادة التقييم وفهم وضع أمنها، بل موقعها ودورها في المرحلة المقبلة، لذا فإن شعار الخليج عند مفترق طرق: الصراع، والتداعيات، وتصحيح المسار الذي تم اختياره لمنتدى هيلي 2026، والذي ينظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبوظبي خلال الفترة (7 – 8 سبتمبر 2026)، يطرح تساؤلات عدة من أهمها: هل تواصل دول الخليج العربي إدارة الأزمات ضمن المعادلات القديمة، أم ستنتقل إلى صناعة معادلات جديدة تمنع الآخرين من تحديد توقيت الأزمات وشروطها؟
في العقود الماضية، قامت معادلة الأمن الخليجي على 3 مرتكزات رئيسة: الأول: تعزيز التحالف مع القوى الدولية الكبرى، والثاني: الاعتماد على الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج العربي لأسواق الطاقة العالمية، والثالث: قدرة دول الخليج العربي على احتواء الأزمات قبل تحولها إلى حروب واسعة.
لكن في المرحلة الحالية التي يمر بها النظام الدولي من تحولات وتطورات بل وتغيرات في المفاهيم، حيث القوى الكبرى منشغلة بالتنافس الدولي، إضافة إلى بعض الأزمات الداخلية التي تؤثر على دورها الدولي، كذلك الطاقة لم تعد الضامن الكافي لتوفير أو ضمان الحماية، والأهم أن احتواء الخطر من دون تغيير سلوك مصدره، لن يؤدي إلى تحقيق الاستقرار بل من الممكن تأجيل الخطر إلى مرحلة قامة تكون أكثر خطراً وتعقيداً.
لذا فالمرحلة المقبلة تجعلنا نفكر بالانتقال إلى مرحلة الأمن بالقدرة، وهنا لا أقصد بالقدرة قوة ونوعية السلاح فقط، بل لابد من وجود منظومة خليجية متكاملة من الردع العسكري، وأضف عليها المرونة الاقتصادية والأمن السيبراني والقدرة على حماية سلاسل الإمداد والطاقة والموانئ، وقدرة مؤسسات الدولة على الاستمرار في فترة الأزمات، ما سبق تتميز به دولة الإمارات وبعض دول الخليج، لكن المطلوب تكامل وتضامن وتوافق خليجي لمواجهة الأخطار والأزمات، بل الاتفاق والإجماع عليها.
أخطار عدة تواجهها دول الخليج، لكن للأسف الخطر الدائم هو الجار المسلم إيران، ولأن دول الخليج العربي لديها قيادات واعية حريصة على دولها وشعوبها، لا تنظر إلى العلاقة مع إيران بمنطلق ثنائي: إما مواجهة أو مصالحة، لأن الخيارين غير كافيين للتعامل مع إيران، الواقعية السياسية لإدارة العلاقات مع إيران تكون بالحوار إذا كان يخدم الاستقرار في المنطقة ويحقق مصالح الدول والشعوب، والردع والمواجهة إذا كان هناك تهديد لأمن الدول ومصالحها الحيوية.
المرحلة المستقبلية لأمن الخليج لابد من اعتمادها على القدرة على الجمع بين القوة والمرونة، وبين التحالفات والشراكات الدولية واستقلالها الاستراتيجي، والاستمرار في تطوير وتعزيز شبكة المصالح مع القوى الكبرى دولياً وإقليمياً، بحيث ترى تلك القوى أن استقرار منطقة الخليج العربي جزء من مصالحها واستقرارها، وليس التزاماً مفروضاً عليها، أو حتى تفضلاً منها.
في المقابل لابد من تعزيز دور الإعلام ومراكز الدراسات والفكر لبناء سردية خليجية تعزز من دور وأهمية ومكانة دول الخليج العربي، وعدم فتح الباب لسرديات معادية تؤثر سلباً على دول الخليج وشعوبها، فالصراع اليوم صراع على تفسير الحدث وتعريفه وصناعة الشرعية والتأثير على الرأي العام.
تصحيح المسار خيار وفرض استراتيجي أمام دول الخليج العربي بحيث لا يمكنها أن تبقى متلقية أو متكيفة مع التحولات والتطورات والتغيرات الإقليمية، بل لابد ومن الضروري أن تصبح شريكاً في صياغة مستقبل المنطقة والمساهمة في إعادة الترتيبات بما يتوافق مع مصالحها ومصالح دول الإقليم.
وهنا نؤكد أن المرحلة المقبلة ليست مرحلة من يمتلك القدرة على التكيف مع الأزمات ويستطيع التعايش معها، بل هي مرحلة من يمتلك القدرة والجرأة على صناعة التوازن، بحيث تجعل من يفكر بخلق أزمة أو اعتداء على دول الخليج العربي يفكر جيداً ويعيد حساباته، قبل القيام بمغامرته.
وانطلاقاً من هذه التحولات ننتقل من سؤال: كيف نحمي أنفسنا مما سيحدث؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نصنع البيئة التي نريد أن يحدث فيها ما نريد؟