كيف أصل إلى القمر؟

سؤال يبدو للوهلة الأولى مستحيلاً، وربما يثير الابتسامة لدى البعض، لكنه في الحقيقة سؤال عن الطموح أكثر مما هو سؤال عن القمر. فكل إنجاز عظيم في تاريخ البشرية بدأ بفكرة بدت في زمنها بعيدة، وربما مستحيلة، ثم جاء من آمن بها وحوّلها من خيال إلى حقيقة.

بإمكانك في لحظة أن ترفع يدك نحو السماء، وتضع إصبعك على القمر، وتلتقط صورة توحي بأنك تمسكه بين أصابعك. للحظة ستشعر بأنك وصلت إليه، لكنك في الحقيقة لم تبرح مكانك. إنها مجرد صورة جميلة، وخيال ممتع، وأمنية لا تغيّر شيئاً في الواقع.

وهكذا هي الحياة أحياناً؛ هناك من يكتفي بالإشارة إلى أهدافه، وهناك من يبدأ الرحلة إليها. إذا أردت الوصول الحقيقي إلى القمر، فالأمر مختلف تماماً. عليك أن تتعلم، وتجتهد، وتتدرب، وتصبر سنوات طويلة، وأن تدخل في منافسة مع آلاف الطامحين، وأن تتجاوز الإخفاق مرة بعد أخرى.

وربما تصبح في النهاية رائد فضاء، وتنطلق في مركبة تخترق الغلاف الجوي، وتضع قدميك يوماً على أرض لم تطأها إلا قلة من البشر.

ما الفرق بين الصورتين؟

في الأولى رفعت إصبعك، وفي الثانية رفعت سقف طموحك.

هذه الفكرة لا تتعلق بالقمر وحده، بل بكل هدف نضعه أمامنا في الحياة.

تستطيع أن تتخيل نفسك ناجحاً، أو ثرياً، أو عالماً، أو رياضياً، أو كاتباً، أو صاحب مشروع كبير، ولكن التخيل وحده لن يأخذك إلى أي مكان. الأحلام تمنحنا الاتجاه، لكنها لا تقطع الطريق نيابة عنا. المشكلة أن بعض الناس يضعون حدوداً لطموحاتهم قبل أن يبدؤوا.

يقول أحدهم: هذا صعب، وهذا بعيد، وهذا يحتاج إلى إمكانات لا أملكها. ومع تكرار هذه العبارات تتحول الحدود الوهمية إلى جدران حقيقية تحاصره، بينما يبدأ شخص آخر من النقطة نفسها، بالإمكانات نفسها، لكنه يسأل سؤالاً مختلفاً: ماذا يجب أن أفعل كي أصل؟

وهنا يبدأ الفرق.

الدول أيضاً تصل إلى «القمر» بهذه الطريقة. لا تصبح الدول متقدمة بمجرد امتلاك الأمنيات، وإنما حين تحوّل الطموحات إلى خطط، والخطط إلى مشاريع، والمشاريع إلى إنجازات. وحين تستثمر في الإنسان والتعليم والعلم والابتكار، فإن ما كان يبدو مستحيلاً لجيل، يصبح واقعاً يعيشه الجيل التالي.

وقد علمتنا التجارب أن الإنسان كلما وصل إلى حدود جديدة، اكتشف أن وراءها حدوداً أبعد.

وصل الإنسان إلى السماء، ثم إلى الفضاء، ثم إلى القمر، واليوم ينظر إلى المريخ وما بعده. لأن طبيعة الإنسان الحقيقية ليست الوقوف عند آخر إنجاز، بل البحث عن الإنجاز التالي.

لذلك لا تسأل نفسك إن كان حلمك بعيداً، بل اسأل: ما الطريق إليه؟

فالحدود ليست دائماً في السماء، وإنما قد تكون في عقولنا، وفي خوفنا من المحاولة، وفي استسلامنا المبكر لفكرة المستحيل.

نعم، تستطيع أن تصل إلى القمر، وأن تتجاوز القمر، وأن تبلغ أبعد نقطة تتطلع إليها، ما دمت تؤمن بقدرتك على التعلم والعمل والمثابرة. الطموح لا يعني أن نتجاهل الواقع، بل أن نفهمه ثم نعمل على تغييره. فالطريق إلى الأهداف الكبيرة لا يُقطع بقفزة واحدة، وإنما بخطوات صغيرة ومتراكمة.

قد تبدأ بفكرة، ثم معرفة، ثم تجربة، وربما إخفاق، ثم محاولة جديدة. ومع كل خطوة يقترب البعيد، ويتحول المستحيل شيئاً فشيئاً إلى احتمال، ثم إلى إنجاز يراه الآخرون حقيقة.

فالذين يصلون إلى القمر لا يكتفون بالإشارة إليه...

بل يبدؤون الرحلة.