أبوظبي.. وطن بين العين والقلب

في جولةٍ أشتاق إليها من حينٍ إلى آخر؛ جولة تأخذني أبعد مما تراه العين، وكأن عينيّ لا تغلقان على المشهد، بل تتوغّلان في تفاصيله، تلك التفاصيل التي لا يشعر بها إلا من وطئت قدماه أرضه، وأصغى إلى ما تقوله الأماكن دون صوت.

أيمكنك أن تشعر بالأماكن دون صوت؟ نعم، فبعض الأماكن لا تُسمَع... لكنها تُحدث في القلب ضجيجاً لا يهدأ.

هكذا أبوظبي..

حقيقةً، لا أعشق القيادة لذاتها، بقدر ما أعشق أن أُتيه قلبي في شوارعها، وأن أترك للطرقات متعة أن تقودني إليها. بين منعطف جسر الشيخ خليفة، ومدخل المدينة، حيث أشعر وكأنني أقف على رأس ربوةٍ لا تُوصف، أطل منها على عالمٍ يفوق كل وصف. مدخلٌ لا تختلف عينان في هذا الكون على جماله؛ يجعلك تشعر بأنك جزءٌ من هذه اللوحة، لا مجرد عابرٍ يتأملها.

والأجمل في هذه اللوحة أنها لا تعرف فصلاً ينقص من جمالها؛ إذ يبقى فيها دائماً شيءٌ لا يتبدل. لوحة تجمع جمال الفصول الأربعة. تقويم جمالي قائم بذاته.

أتوقف أحياناً عند منعطفٍ جانبي، وأترك عينيّ تتأملان هذا الجمال؛ سحبٌ كأنها تحتضن المدينة، وغيومٌ تداعب أطرافها، وأضواءٌ تمتد فوق البحر، حتى تبدو أبوظبي من بعيد لوحةً لا تستطيع أن ترسمها، ولا أن تمنحها وصفاً يليق بها؛ يكفي أن تتأملها، وأن تستشعر نعمتها.

وعندما يحلّ يناير، تبدأ الليالي الشتوية كما لم تعشها من قبل، ولا رأيتَ دفأها في مكانٍ آخر؛ ليالٍ يزداد فيها البرد، ويزداد معه جمال الحكاية، ترى من يعتلي هذا الجسر سعياً إلى اختزال جمالها في صورة، أو في ألوانٍ تتناثر على صفحاتٍ محلية وعالمية، وكأن المدينة تعرف جيداً أنها تستحق أن تُرى من كل زاوية.

تأملت مدينتي من بعيد... ما ألذّ العيش على أرضها، وما أجمل النظر إليها.

أهي روضةٌ نزلت من السماء؟ أم لحنٌ يعزف جماله بصمت؟ النظر إليها لذّة، والعيش على أرضها متعة، والانتماء إليها شعورٌ لا يحتاج إلى تفسير.

موطني... أبتعد رويداً... رويداً، وعيناي لا تزالان معلّقتين بها؛ احتضنتها السماء بهدوئها، واحتضنتها عيناي طويلاً... فالنظر إليها نعمة، والاكتفاء منها مستحيل.

أبتعد عن المكان، لكن شيئاً مني يبقى هناك. وحينها أدركت أن للوطن وجهاً يهبك السكينة، ويحتويك كما تحتوي الأرض خطى أبنائها.

ولعلّ الأشياء العظيمة لا تُدرك من وجهٍ واحد؛ فللفصول تعاقب، وللوطن وجهٌ يفيض سلاماً وأماناً، ووجهٌ آخر لا يستدعيه إلا من يمسّ أمنه أو يختبر هيبته.

فليس السلام نقيضَ القوة؛ فحين تعصف العواصف، لا يكون السكون صمتاً، بل سيادةً على الموقف، وثقةً لا تهتز، وهيبةً لا تحتاج إلى إعلان؛ فبعض القوة أبلغها سكوناً.

إن أحببتَ وجهه الذي يهب الطمأنينة، فلك الأمن والسلام؛ وأدرك أن خلف هذا السلام وطناً لا يُختبر، وهيبةً لا تُستفز.