أيمكنك أن تشعر بالأماكن دون صوت؟ نعم، فبعض الأماكن لا تُسمَع... لكنها تُحدث في القلب ضجيجاً لا يهدأ.
أتوقف أحياناً عند منعطفٍ جانبي، وأترك عينيّ تتأملان هذا الجمال؛ سحبٌ كأنها تحتضن المدينة، وغيومٌ تداعب أطرافها، وأضواءٌ تمتد فوق البحر، حتى تبدو أبوظبي من بعيد لوحةً لا تستطيع أن ترسمها، ولا أن تمنحها وصفاً يليق بها؛ يكفي أن تتأملها، وأن تستشعر نعمتها.
أهي روضةٌ نزلت من السماء؟ أم لحنٌ يعزف جماله بصمت؟ النظر إليها لذّة، والعيش على أرضها متعة، والانتماء إليها شعورٌ لا يحتاج إلى تفسير.
موطني... أبتعد رويداً... رويداً، وعيناي لا تزالان معلّقتين بها؛ احتضنتها السماء بهدوئها، واحتضنتها عيناي طويلاً... فالنظر إليها نعمة، والاكتفاء منها مستحيل.
أبتعد عن المكان، لكن شيئاً مني يبقى هناك. وحينها أدركت أن للوطن وجهاً يهبك السكينة، ويحتويك كما تحتوي الأرض خطى أبنائها.
ولعلّ الأشياء العظيمة لا تُدرك من وجهٍ واحد؛ فللفصول تعاقب، وللوطن وجهٌ يفيض سلاماً وأماناً، ووجهٌ آخر لا يستدعيه إلا من يمسّ أمنه أو يختبر هيبته.
فليس السلام نقيضَ القوة؛ فحين تعصف العواصف، لا يكون السكون صمتاً، بل سيادةً على الموقف، وثقةً لا تهتز، وهيبةً لا تحتاج إلى إعلان؛ فبعض القوة أبلغها سكوناً.
إن أحببتَ وجهه الذي يهب الطمأنينة، فلك الأمن والسلام؛ وأدرك أن خلف هذا السلام وطناً لا يُختبر، وهيبةً لا تُستفز.