«الشيطان يكمن في التفاصيل» هي العبارة التي نستخدمها عندما تبدو الصورة العامة جميلة ومطمئنة، بينما تختبئ المشكلات الحقيقية في الزوايا الصغيرة التي لا ننتبه إليها.
ولأن عصرنا هذا هو عصر الذكاء الاصطناعي، فربما أصبح من المناسب أن نقول إن «الشيطان يكمن في الخوارزميات»، تلك المعادلات الصامتة التي لا نراها، لكنها تعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا، وتشاركنا اختياراتنا، وربما تتخذ قراراتنا نيابة عنا.
تحول الذكاء الاصطناعي خلال سنوات قليلة من فكرة علمية محدودة الاستخدام إلى قوة تدخل كل بيت ومؤسسة ودولة.. نحن نستخدمه في الكتابة والترجمة والطب والتعليم والصناعة والإعلام والتجارة، ونمنحه كل يوم مساحة جديدة من حياتنا.. وهو يقدم للبشرية خدمات لا يمكن إنكارها، لكن السؤال الذي يزداد إلحاحاً هو: هل نعرف حقاً إلى أين يقودنا؟
هذا السؤال لم يعد يطرحه المتشائمون وحدهم، وإنما الذين أسهموا في صناعة العصر التقني نفسه.. ففي مقابلته مع مجلة «ذا إيكونوميست»، تحدث إيلون ماسك عن مستقبل قد يصبح فيه الذكاء الاصطناعي أذكى من البشر مجتمعين، وقدر احتمال أن يقود الذكاء الاصطناعي إلى فناء البشرية بنسبة تتراوح بين 10 و20%.. وهي نسبة عالية، فهل يركب إنسان طائرة إذا قيل له إن احتمال سقوطها يبلغ 20%؟.. والغريب أن ماسك رغم هذا الاحتمال، يقول إن قطار الذكاء الاصطناعي انطلق بسرعة تجعل إيقافه شبه مستحيل، ويرى أن الأفضل هو محاولة توجيهه وجعله حريصاً على مصلحة الإنسان.
أما بيل غيتس الذي كان من أكثر المتفائلين بقدرة التكنولوجيا على تحسين حياة البشر، فقد أصبحت لهجته أكثر حذراً.. فهو يرى أن الذكاء الاصطناعي قد يكون أعظم أداة لتحقيق المساواة، أو أخطر مصدر للظلم في التاريخ.. ويحذر من أن العالم يدخل مرحلة شديدة الاضطراب من دون خطة واضحة، وأن هذه التقنية تستطيع إلغاء وظائف ذهنية ويدوية، وليس مجرد تغيير أدوات العمل كما فعلت الثورات الصناعية السابقة.
الخطر هنا لا يتمثل في اختفاء الوظائف وحدها، وإنما في اختلال المعادلة التي قامت عليها المجتمعات.. فالعمل لا يمنح الإنسان راتباً فقط، ولكن يمنحه دوراً ومكانة وشعوراً بالقيمة.. وإذا تولت الآلات مهمات التعليم والطب والمحاماة والإدارة والصناعة والتجارة، فماذا سيفعل ملايين البشر؟.. ومن سيمتلك الثروة التي تنتجها هذه الآلات؟.. لهذا دعا غيتس إلى التفكير في وظائف ينبغي أن تبقى محجوزة للبشر، خاصة تلك التي تحتاج إلى التعاطف والمشاعر، مثل إبلاغ مريض بحقيقة مرضه، أو مواساة إنسان فقد عزيزاً.. فالآلة تستطيع تحليل الكلمات ونبرة الصوت، لكنها لا تعرف الحزن، ولا تحمل ذاكرة الفقد كما يحملها الإنسان.
هناك أيضاً أخطار التضليل والاحتيال والهجمات الإلكترونية وتصميم الأسلحة البيولوجية، فضلاً عن استخدام الخوارزميات في المراقبة وصناعة الرأي العام.. فالخوارزمية لا تحتاج إلى أن تَكْرَهنا كي تؤذينا.. يكفي أن تنفذ الهدف الذي وضعناه لها بطريقة لم نتوقع نتائجها.. فإذا طلبنا منها زيادة التفاعل، ربما تنشر الغضب والكراهية لأنهما يجذبان الناس أكثر، وإذا طلبنا منها تحقيق الأمن، ربما توسع المراقبة حتى تلغي الخصوصية.. لكن الخطر الأكبر هو أن يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تساعد الإنسان على التفكير إلى بديل يفكر عنه.
عندما بدأتُ كتابة هذا المقال كنت أنوي الحديث عن المحاضرة التي ألقيتها الثلاثاء الماضي، في كلية الشرطة بأبوظبي، بتنظيم من قسم اللغة العربية في الكلية، تحت عنوان «الكتابة الإبداعية في عصر الذكاء الاصطناعي».. لكن تصريحات ماسك وغيتس أخذتني إلى مسار آخر، وفرضت أن يشمل الحديث شؤون الحياة كلها، فلا يقتصر على الإبداع وحده، بكل ما طرحته تلك التصريحات من مخاوف عديدة، ما ذكرناه منها قليل، وهناك الكثير الذي يجب أن يؤخذ بالجدية التي يستحقها.
هذه المخاوف لا ينبغي أن تقودنا إلى رفض الذكاء الاصطناعي، فالتكنولوجيا ليست شيطاناً بطبيعتها.. الشيطان الحقيقي يكمن في الأهداف التي نضعها، والبيانات التي نغذي بها الآلات، والفراغ التشريعي والأخلاقي الذي يسمح لها بالتقدم أسرع من قدرتنا على فهمها.
الشيطان يكمن في الخوارزميات، نعم، لكنه لا يَدخلها من تلقاء نفسه.. نحن الذين نفتح له الباب، ونحن أيضاً القادرون على إغلاقه.