كنت أطالع مؤخراً دراسة شارك فيها باحثون من جامعة هلسنكي، وقدمت ضمن مؤتمر اليونسكو العالمي للسياسات الثقافية والتنمية المستدامة «موندياكولت 2025»، فاستوقفني عنوانها الطويل ومفهوم جديد وجدته جديراً بالتأمل: «الإيكوميديا»، وقد تناول الباحثون أفلام ترشيح عناصر التراث الثقافي غير المادي لدى «اليونسكو» في الصين وألمانيا واليابان وتركيا، ودرسوها كأرشيفات سمعية وبصرية فاعلة داخل منظومة أوسع من الثقافة والمؤسسات والتنمية المستدامة.
أعجبتني الفكرة لأنها تغير نظرتنا إلى صناعة أفلام التراث، وأيضاً لفيلم الترشيح نفسه، فنحن نشاهد عادة دقائق قليلة من الصور والموسيقى والحرف والأزياء والممارسات الشعبية، ثم ينتهي الفيلم، غير أن الكاميرا خلال هذه الدقائق تكون قد اتخذت عشرات القرارات: من سيظهر؟.. من سيتحدث؟.. ماذا سنصور؟.. أي الكلمات سنستخدم؟.. وما الصورة التي سيخرج بها المشاهد عن المجتمع الذي يمارس هذا التراث؟.. هنا يتحول الفيلم إلى جزء من عملية إنتاج معنى التراث وتقديمه للعالم.
وقد وجدت في الدراسة نتيجة تستحق أن نتوقف عندها، فطريقة حضور أصحاب التراث أنفسهم اختلفت بصورة واضحة بين الدول التي تناولها الباحثون، ففي بعض الأفلام سيطر صوت الراوي الخارجي، بينما منحت أفلام أخرى الحرفيين والممارسين وأفراد المجتمع مساحة أكبر للحديث بأصواتهم.
ورصد الباحثون كذلك ميلاً إلى توحيد بعض أنماط أفلام الترشيح، وحذروا من أن حضور المؤسسات قد يطغى أحياناً على حضور المجتمعات التي تحمل التراث وتمارسه، وهنا خطر ببالي سؤال أراه مهماً ونحن نملك تجربة ثرية في صون التراث الثقافي غير المادي: عندما نصور العيالة أو التغرودة أو السدو أو القهوة العربية أو النخلة، من نريد أن يتحدث عنها؟ حسب تصوري الإجابة موجودة أمامنا.. دعوا حامل التراث يتحدث.
فالرجل الذي عاش الممارسة 50 عاماً يحمل معرفة قد يصعب على النص الرسمي أن يلتقط تفاصيلها. والحرفية التي تعلمت السدو من أمها وجدتها تعرف معنى الخيط واللون والحركة وذاكرة المكان بطريقة مختلفة عن الباحث الذي جاء لتوثيقها.
والشاعر الذي يقول بيتاً من التغرودة يستطيع أن يمنح المشاهد خلال ثوانٍ شيئاً من البيئة التي ولدت فيها الكلمات.. وحين تصل هذه الأصوات إلى الفيلم، نشاهد التراث من المسافة الأقرب إلى حياته.
وهذا يقودني إلى معنى آخر لـ«الإيكوميديا» وجدته قريباً من رؤيتي للتراث، فالممارسة التراثية تعيش داخل منظومة من العلاقات: الإنسان والمكان، والذاكرة واللغة، والمهارة والبيئة، والجيل الذي تعلم والجيل الذي سيتعلم.
والكاميرا تستطيع أن تحفظ شيئاً من هذه العلاقات إذا تركت لها مساحة كافية للظهور، فالأفلاج مثلاً تحمل معرفة تاريخية بإدارة المياه، والنخلة تقدم تجربة طويلة في التكيف مع البيئة، والحرف التقليدية تكشف ثقافة إعادة استخدام الموارد المحلية، بينما تحمل الممارسات البحرية والصحراوية معرفة تراكمت عبر أجيال من التعامل المباشر مع الطبيعة، وهذه العلاقات تستطيع الصورة أن تجعلها مرئية أمام العالم إذا بحثنا عنها داخل التجربة نفسها.
أثارت الدراسة لدي سؤالاً حول لغة الفيلم، فالمقابلة التقليدية أمام الكاميرا ليست الطريق الوحيد لكي يتحدث الإنسان عن تراثه، أحياناً تتحدث اليد وهي تنسج أفضل مما تتحدث الكلمات، ويشرح أداء العيالة معنى الجماعة والإيقاع، ويحمل بيت الشعر معرفة كاملة بالبيئة والذاكرة، وقد أورد الباحثون مثالاً جميلاً لراقصة تراث قديم تقول أمام الكاميرا ما معناه: حان الوقت لأن أتوقف عن الكلام وأبدأ برقصة أجدادنا، لذلك يمكن القول: «بعض التراث يشرح نفسه حين نسمح له بأن يُمارس أمامنا».
أرى أن هناك فرصة مهمة أمام المؤسسات الثقافية الإماراتية والباحثين وصناع الأفلام.. حيث يمكن أن تتحول أفلام التراث إلى مختبر إبداعي يجمع الممارس والباحث والمخرج منذ بداية العمل، ويمنح اللغة المحلية والأداء والصوت والبيئة حضورها الطبيعي، مع ترجمة جيدة تفتح هذه التجربة أمام العالم.
عندها نحافظ على الدقة التي تحتاجها ملفات الترشيح، ونمنح المشاهد أيضاً فرصة للقاء الإنسان الذي يحمل التراث.
لقد جعلتني هذه الدراسة وأفكار أخرى خطرت ببالي أن أعيد التفكير في معنى التوثيق نفسه.. فالكاميرا تحفظ الصورة، لكنها تستطيع أيضاً أن تحفظ العلاقة التي أعطت الصورة معناها.. وأمامنا في الإمارات، وأقصد الجهات المعنية وأيضاً المهتمين والمختصين، فرصة كبيرة لتطوير لغة سمعية وبصرية تنطلق من تجربتها الغنية في صون التراث، وتقدم للعالم الإنسان الإماراتي وهو يمارس معرفته ويشرحها وينقلها إلى أبنائه، وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يسبق تشغيل الكاميرا بسيطاً جداً: «إذا كان هذا تراث الناس، فكيف نجعل الناس أنفسهم حاضرين في الطريقة التي يراه بها العالم»؟