حسبت مثل كثيرين، أن واضع المنهج أراد أن يعلمنا شيئاً من الإنجليزية من خلال قصة شائقة تدور أحداثها بين باريس ولندن.
احتجت إلى سنوات وخبرة مختلفة حتى أفهم أن اللغة ربما كانت أقل ما في الرواية أهمية. كان ديكنز يطرح سؤالاً أكبر: ماذا يحدث حين يتراكم الظلم حتى ينفجر، ثم يتحول المظلوم، عندما يمتلك القوة، إلى ظالم أشد قسوة من ظالمه السابق؟
ليست المسألة هنا دفاعاً عن الشاه، ولا تجميلاً لمرحلة كان فيها ظلم معروف، بل السؤال عن نظام جاء لكي يرفع الظلم، فإذا به يوسع أدواته ويمنحها شرعية جديدة.
تغير الحراس والشعارات، وبقيت فكرة احتكار الحقيقة. ديكنز لم يجعل باريس وحدها في الصورة، إذ وضع إلى جانبها لندن، ولم تكن لندن مدينة بلا فقر.. الفارق أن المجتمع البريطاني امتلك آليات داخلية تسمح، ولو ببطء، بالمراجعة والإصلاح، وهنا تبدو المقارنة مفيدة إذا نقلناها، مع اختلاف الأزمنة والظروف إلى منطقتنا.
انظر إلى طهران اليوم، ثم انظر إلى أي عاصمة خليجية، المقارنة ليست بين مجتمع كامل وآخر شرير، المقارنة بين منهجين: منهج يجعل المظلومية وقوداً دائماً للسلطة، ومنهج يحاول أن يتغير ويصحح نفسه ويفتح أبواباً للمستقبل.
وليس المقصود من المقارنة بالخليج القول إن تجاربه وصلت إلى نهاية الطريق، كل تجربة بشرية قابلة للتطوير، لكن الاتجاه مهم، في مدن الخليج ترى استثماراً في التعليم والعمران والاقتصاد والانفتاح على العالم، ومحاولة استشراف المستقبل، وتراكم الخبرة التنموية. في طهران، في المقابل، ما زال جزء كبير من طاقة الدولة يُستهلك في حماية سردية تبشيرية، وخلق خصوم، وتوسيع النفوذ المكلف خارج الحدود والتدخل في شؤون الدول الأخرى.
الأول يسأل بدرجات متفاوتة: كيف نعيش أفضل غداً؟ والثاني لا يزال أسير مقولات تاريخية ليس لها علاقة بتاتاً بالعصر ومسار بقية العالم! الأكثر أن المظلومية لم تبقَ داخل الحدود؛ فقد جرى تصديرها إلى الجوار تحت عنوان المقاومة.
ودفعت مجتمعات في فلسطين والعراق واليمن ولبنان أثماناً باهظة، في حين بقي المواطن الإيراني نفسه يدفع فاتورة المشروع، وكلما طالب المواطنون بمساحة أوسع للحياة، قُمعوا.. هنا يعود ديكنز إلينا، بعد أكثر من قرن ونصف القرن.. المظلومية لا تمنح صاحبها حصانة أخلاقية إلى الأبد، ومن تعرض للظلم لا يصبح عادلاً تلقائياً عندما يصل إلى السلطة.
الاختبار الحقيقي يبدأ في اليوم الذي تصبح فيه قادراً على ظلم الآخرين ثم تقرر ألا تفعل.