من باريس إلى طهران

لم أكن أعرف، وأنا أقرأ «قصة مدينتين» لتشارلز ديكنز في سنوات الدراسة، المغزى الحقيقي من اختيار هذه الرواية ضمن المنهج.

حسبت مثل كثيرين، أن واضع المنهج أراد أن يعلمنا شيئاً من الإنجليزية من خلال قصة شائقة تدور أحداثها بين باريس ولندن.

احتجت إلى سنوات وخبرة مختلفة حتى أفهم أن اللغة ربما كانت أقل ما في الرواية أهمية. كان ديكنز يطرح سؤالاً أكبر: ماذا يحدث حين يتراكم الظلم حتى ينفجر، ثم يتحول المظلوم، عندما يمتلك القوة، إلى ظالم أشد قسوة من ظالمه السابق؟

كتب ديكنز روايته في منتصف القرن التاسع عشر، لكنه عاد بها إلى الثورة الفرنسية.. رسم مجتمعاً اختلت فيه الموازين: أرستقراطية بعيدة عن الناس، وفقر مهين، وعدالة غائبة، وغضب يتراكم في الصدور، كان الانفجار متوقعاً، إلا أن عبقرية الرواية ليست في وصف الثورة، بل في ما حدث بعدها.. الذين ذاقوا الظلم لم يصبحوا بالضرورة أكثر عدلاً عندما حصلوا على السلطة، بعضهم حمل معه ذاكرة الألم وحولها إلى مشروع انتقام.

تذكرت «قصة مدينتين» وأنا أتابع أحداث إيران اليوم.. الثورة الإيرانية قامت بين ما قامت عليه، على مظالم وشكاوى من القمع والسجون، وغياب المساءلة، لكن السؤال بعد ما يقرب من نصف قرن: ماذا فعل المظلوم عندما أصبح حاكماً؟

حدثني إيراني عرف سجن الشاه ثم عرف سجن الثورة.. قال لي عبارة بقيت في ذهني: «سجن الشاه، على قسوته، كان أفضل نسبياً من سجن الثورة».

ليست المسألة هنا دفاعاً عن الشاه، ولا تجميلاً لمرحلة كان فيها ظلم معروف، بل السؤال عن نظام جاء لكي يرفع الظلم، فإذا به يوسع أدواته ويمنحها شرعية جديدة.

وتعيدني تلك الشهادة إلى كتاب إحسان نراقي «من بلاط الشاه إلى سجون الثورة». العنوان وحده يكاد يلخص المأساة. ينتقل الإنسان من سلطة سقطت بسبب أخطائها إلى سلطة وعدت بالخلاص، ثم يجد نفسه في السجن من جديد.

تغير الحراس والشعارات، وبقيت فكرة احتكار الحقيقة. ديكنز لم يجعل باريس وحدها في الصورة، إذ وضع إلى جانبها لندن، ولم تكن لندن مدينة بلا فقر.. الفارق أن المجتمع البريطاني امتلك آليات داخلية تسمح، ولو ببطء، بالمراجعة والإصلاح، وهنا تبدو المقارنة مفيدة إذا نقلناها، مع اختلاف الأزمنة والظروف إلى منطقتنا.

انظر إلى طهران اليوم، ثم انظر إلى أي عاصمة خليجية، المقارنة ليست بين مجتمع كامل وآخر شرير، المقارنة بين منهجين: منهج يجعل المظلومية وقوداً دائماً للسلطة، ومنهج يحاول أن يتغير ويصحح نفسه ويفتح أبواباً للمستقبل.

وليس المقصود من المقارنة بالخليج القول إن تجاربه وصلت إلى نهاية الطريق، كل تجربة بشرية قابلة للتطوير، لكن الاتجاه مهم، في مدن الخليج ترى استثماراً في التعليم والعمران والاقتصاد والانفتاح على العالم، ومحاولة استشراف المستقبل، وتراكم الخبرة التنموية. في طهران، في المقابل، ما زال جزء كبير من طاقة الدولة يُستهلك في حماية سردية تبشيرية، وخلق خصوم، وتوسيع النفوذ المكلف خارج الحدود والتدخل في شؤون الدول الأخرى.

الأول يسأل بدرجات متفاوتة: كيف نعيش أفضل غداً؟ والثاني لا يزال أسير مقولات تاريخية ليس لها علاقة بتاتاً بالعصر ومسار بقية العالم! الأكثر أن المظلومية لم تبقَ داخل الحدود؛ فقد جرى تصديرها إلى الجوار تحت عنوان المقاومة.

ودفعت مجتمعات في فلسطين والعراق واليمن ولبنان أثماناً باهظة، في حين بقي المواطن الإيراني نفسه يدفع فاتورة المشروع، وكلما طالب المواطنون بمساحة أوسع للحياة، قُمعوا.. هنا يعود ديكنز إلينا، بعد أكثر من قرن ونصف القرن.. المظلومية لا تمنح صاحبها حصانة أخلاقية إلى الأبد، ومن تعرض للظلم لا يصبح عادلاً تلقائياً عندما يصل إلى السلطة.

الاختبار الحقيقي يبدأ في اليوم الذي تصبح فيه قادراً على ظلم الآخرين ثم تقرر ألا تفعل.