ماذا يفعل المدير بعد العاشرة مساء؟

يجلس وسط أطفاله في جلسة عائلية دافئة طال انتظارها.. ترتفع ضحكة صغيرة، وقبل أن يكمل حديثه، يحس باهتزاز مألوف..

إشعار على هاتف العمل.. يفتح الرسالة: «يرجى مراجعة الملف وإرسال التقرير فوراً». في لحظة واحدة، يتغير كل شيء، ويتحول ذهنه من دفء أسرته إلى ضغط العمل.. لم تكن الرسالة مجرد كلمات على شاشة، بل استدعاء ذهنياً أعاده إلى العمل في العاشرة مساءً.

في الماضي، كانت للدوام حدود واضحة.. يبدأ من بوابة المؤسسة وينتهي عند الخروج منها، كانت مغادرة المكتب تعني في الغالب مغادرة العمل أيضاً، أما اليوم فقد انتقل المكتب إلى الهاتف، وأصبحت التكنولوجيا قادرة على اختراق الحدود الزمنية والمكانية للعمل في أي لحظة.

هل يجوز للمدير أن يتواصل بعد الدوام؟.. الإجابة ليست نعم أو لا.. فهناك طوارئ وقطاعات تتطلب الجاهزية ووظائف قيادية وأعمال تتعامل مع مناطق زمنية مختلفة ومواقف لا تحتمل الانتظار.

المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وحين يصبح التوفر المستمر معياراً غير مكتوب للالتزام، فيشعر الموظف أن عدم الرد الفوري قد يفسر على أنه تقصير.

هنا تتحول المسألة من رسالة بعد وقت الدوام إلى ثقافة مؤسسية، فسهولة الوصول إلى الموظف لا تعني امتلاك وقته، وقدرة التكنولوجيا على إرسال الرسالة لا تعني حقاً تلقائياً في الاستجابة، وبين التواصل والتكليف، وبين المرونة والتوفر الدائم، مساحة تحتاج المؤسسة إلى أن تحددها بوضوح.

والأخطر أن الموظف قد لا يعمل فعلياً بعد الدوام، لكنه يبقى في حالة استعداد ذهني للعمل، يراقب هاتفه، ينتظر الإشعار، ويفكر في الرسالة المقبلة، وهنا تظهر أهمية الانفصال النفسي عن العمل، أي قدرة الإنسان على إيقاف التفكير في متطلبات العمل أثناء وقت الراحة.

فقد خلصت مراجعة منهجية نُشرت عام 2023 وتناولت 159 دراسة عن الانفصال النفسي عن العمل، إلى أنه يمثل تجربة تعافٍ مهمة ترتبط بصحة الموظف ورفاهه وأدائه. وفي مراجعة نطاقية نشرت عام 2024.

وشملت 23 دراسة في 9 دول، أظهرت 19 دراسة، أي 83% منها، ارتباطاً بين استخدام الهاتف لأغراض العمل خارج ساعات الدوام وارتفاع الصراع بين العمل والحياة.. فالعمل الذي يصل إلى هاتف الموظف لا يصل إليه وحده..

فقد يمتد أثره إلى مائدة العشاء، وحديث الزوجين، ووقت الأبناء، وإلى الساعات التي يفترض أن يستعيد فيها الإنسان طاقته ليوم جديد.

وهنا تظهر المفارقة: كيف يمكن لمؤسسة أن تستثمر في جودة حياة الموظف، والتوازن بين العمل والحياة، والصحة النفسية، بينما تناقض بعض ممارساتها القيادية هذه المبادرات بإشعار واحد بعد انتهاء الدوام؟

فجودة حياة الموظف لا تُبنى بالمبادرات وحدها، بل بما تفعله القيادة في الممارسة اليومية، وحين يصبح كل شيء عاجلاً، تفقد كلمة عاجل معناها..

وقد يكون أخطر ما في هذه الثقافة أنها تعيد تعريف الالتزام، فيصبح الموظف الذي يرد خلال دقائق أكثر التزاماً في نظر البعض من الموظف الذي يبدأ صباحه بهدوء وينجز أعماله بجودة.

قد لا تكون سرعة الاستجابة دليلاً على جودة الأداء، بل انعكاساً لثقافة تجعل الموظف غير قادر على الانفصال عن العمل، والمؤسسة التي تستنزف ذهن موظفها في الليل قد تدفع ثمن ذلك من تركيزه وقراراته وإبداعه في النهار.

المشكلة ليست دائماً في الرسالة، بل في التوقع الذي تحمله، فالمدير لا يرسل رسالة فقط، بل يرسل معها إشارة عن ثقافة المؤسسة. قد يقول: «لا حاجة للرد الآن».

لكن إذا كانت الثقافة تكافئ سرعة الاستجابة، فسيفهم الموظف الرسالة باعتبارها تكليفاً مهما كانت صياغتها.. لذلك لا تحتاج المؤسسة بالضرورة إلى منع التواصل بعد الدوام، وإنما إلى حوكمته..

وقبل أن يضغط المدير زر الإرسال، يكفي أن يسأل نفسه: هل الأمر عاجل فعلاً؟.. هل يمكن أن ينتظر إلى الغد؟.. وهل سيفهم الموظف رسالتي كتواصل أم تكليف؟

والمؤسسة الذكية لا تكتفي بتعميم يحث على احترام وقت الموظف، بل تضع قواعد واضحة للتواصل خارج الدوام، وتدرب قياداتها على التمييز بين الطارئ والمعتاد، وتجعل تكرار الاستدعاءات غير الضرورية مؤشراً يستحق المراجعة الإدارية..

فالقيادة لا تُقاس بقدرة المدير على الوصول إلى موظفيه في كل وقت، وإنما بقدرته على بناء فريق يعرف ما عليه فعله، ويملك مساحة كافية ليفكر ويستريح ويعود إلى عمله بكفاءة.

وربما لا تكون القيادة الحقيقية في أن يكون المدير قادراً على الوصول إلى موظفيه في أي وقت، بل في أن يعرف متى لا يحتاج إلى ذلك.. فليس كل ما تستطيع إرساله، يستحق أن ترسله الآن.