أين يكمن سر العمر الطويل؟

منذ أن وعى الإنسان معنى الحياة، وهو يبحث عن سر البقاء فيها أطول وقت ممكن.

ومع تطور الطب، لم يعد السؤال فقط: كيف نعيش سنوات أكثر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف نعيش سنوات أكثر ونحن بصحة جيدة؟

لقد ذهب العلماء والباحثون بعيداً في دراسة خبايا الجسم البشري، محاولين فهم أسباب الشيخوخة والخرف والزهايمر والسرطان والسكري وأمراض القلب وغيرها من الأمراض التي ترتبط بتقدم العمر.

والغاية اليوم ليست صناعة إكسير للخلود، فالموت أمر حتمي، والأعمار بيد الله، وإنما إطالة السنوات التي يعيشها الإنسان محتفظاً بقدر جيد من صحته واستقلاليته.

ومن أشهر التجارب التي جذبت اهتمام الباحثين تجربة سكان أوكيناوا اليابانية، التي عُرفت تاريخياً بارتفاع أعداد المعمرين فيها.

وقد بدأت دراسة علمية طويلة لسكانها المعمرين منذ عام 1975، وشملت عبر العقود أكثر من ألف شخص بلغوا المئة عام أو تجاوزوها. وتشير الأبحاث إلى تداخل العامل الوراثي مع نمط الحياة والغذاء في تفسير هذه الظاهرة.

النظام الغذائي التقليدي في أوكيناوا كان بسيطاً، قليل السعرات نسبياً، وغنياً بالخضراوات والبطاطا والأغذية النباتية، إلى جانب الأسماك ومصادر البروتين الأخرى. كما كان النشاط البدني جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية.

وليس مجرد ساعة يقضيها الإنسان في صالة رياضية. وتشير الدراسات إلى أن كثيراً من كبار السن هناك ظلوا يعملون ويتحركون حتى أعمار متقدمة.

وفي المقابل، ارتبط اسم وادي الهونزا في شمال باكستان بحكايات كثيرة عن أناس يعيشون أعماراً طويلة، وأن هواء الجبال وطعامهم الطبيعي يمثلان سر العمر المديد.

لكن الدراسات الحديثة تدعونا إلى الحذر، فالكثير من قصص الأعمار الاستثنائية في الهونزا لم تكن مدعومة بسجلات ميلاد موثوقة، ولذلك لا يمكن التعامل معها بوصفها حقيقة علمية ثابتة.

ومع ذلك، تبقى في نمط الحياة التقليدي هناك دروس تستحق التأمل: الحركة اليومية، والطعام البسيط، والاعتماد على المنتجات النباتية والحبوب والفواكه، وقلة الأغذية شديدة التصنيع. فلا طعام واحد، ولا هواء منطقة بعينها، ولا وصفة سحرية تستطيع أن تمنح الإنسان عمراً طويلاً.

وهنا ربما نصل إلى الحقيقة التي تبدو أقل إثارة، لكنها أكثر أهمية: سر الصحة في الشيخوخة ليس سراً واحداً.

فالعلم الحديث يعيدنا دائماً إلى مجموعة من العادات البسيطة: الحركة المنتظمة، والغذاء المتوازن، وعدم الإفراط في الطعام، والنوم الجيد، والمحافظة على الوزن وضغط الدم والسكر والكوليسترول، وإجراء الفحوصات الطبية الوقائية بصورة منتظمة.

وهناك عامل آخر قد نستهين به، وهو العلاقات الإنسانية. فالأسرة والأصدقاء والتواصل الاجتماعي والشعور بأن للحياة معنى وهدفاً، كلها عناصر مهمة ترتبط بجودة الحياة والصحة مع تقدم العمر.

وربما أخطأنا عندما بحثنا عن حبة دواء تختصر لنا كل ذلك.

فلا توجد حتى اليوم حبة تمنح الإنسان مئة عام من الصحة، ولا طعام واحد يمنع الشيخوخة، ولا قرية تمتلك سر الخلود. لكن هناك أسلوب حياة يزيد فرص أن نصل إلى أعمار متقدمة بأجساد وعقول أفضل.

قد لا نستطيع أن نقرر كم سنة سنعيش، لكننا نستطيع أن نؤثر في الكيفية التي نعيش بها تلك السنوات.

نأخذ بالأسباب، ونعتني بأجسادنا وعقولنا وعلاقاتنا، ونسير في الأرض مطمئنين.

أما الأعمار، فتبقى بيد الله.