أفول القرن الأمريكي

شهد القرن العشرون صعود الولايات المتحدة كأكبر قوة في العالم وفي التاريخ. لم يضاهها قوة أخرى سيطرت على العالم تاريخياً.

حتى الاتحاد السوفييتي والذي نافس الولايات المتحدة بشراسة لم يكن يوماً نداً للولايات المتحدة. مع نهاية الحرب العالمية الثانية كانت الولايات المتحدة تحوز على نصف الناتج الدولي.

كانت الدولة الوحيدة التي تمتلك الأسلحة الذرية والتي استخدمتها لأول وآخر مرة ضد اليابان. قدراتها العسكرية كانت ومازالت تتفوق على جميع الدول.

انتشارها في أصقاع العالم الآن من خلال القواعد والتسهيلات العسكرية تصل إلى حدود ثمانمئة موقع.

مالياً، أصبحت الولايات المتحدة أقوى دولة بسبب عملتها الدولار والذي يتم من خلاله معظم المعاملات التجارية والاستثمارية مما يعطيها رافعة على دول العالم.

ثقافياً، تأثير الولايات المتحدة أكبر من أية دولة منافسة أو حليفة. تأثير أفلام هوليوود وموسيقى الروك والجاز لا مثيل لهم. جامعاتها تعتبر من أفضل الجامعات في العالم.

رغم القوة الهائلة للولايات المتحدة في القرن العشرين، إلا أن القرن الحادي والعشرين لن يكون قرناً أمريكياً كما كان سابقه. أفول الولايات المتحدة بدأ في القرن العشرين. هناك عوامل داخلية وخارجية تضافرت لتحقيق هذا الأفول.

العوامل الداخلية كانت نتيجة لحرب فيتنام والتي تسببت في انقسام المجتمع ومن بعده النخبة السياسية. فضيحة ووترغيت أثرت سلباً على شرعية النظام السياسي وعلى معنوية الشعب عموماً. كان ذلك في السبعينيات من القرن الماضي.

الاختلاف وارد، خاصة في المجتمعات الديمقراطية القائمة على التجاذب والتنافس. لكن أن يتحول الاختلاف إلى خلاف واستقطاب حاد فهذا مضر بالتماسك الداخلي.

كانت معادلة الحكم في واشنطن أن الفائز يحكم والخاسر يكون في المعارضة الموالية وليس المعادية. نتيجة للتفسخ السياسي والثقافي والقيمي في المجتمع الأمريكي، ظهرت ردة فعل من قبل بروز تيار ديني سياسي مفعم بالوطنية الأمريكية عرف باسم «الأغلبية الأخلاقية» والتي أسسها القس جيري فالويل في العام 1979.

لم يكتفِ التيار بمحاربة التيار الليبرالي واليساري الذي أفرزته فترة الستينيات وحرب فيتنام والثورة الجنسية.

ولكن تحالف مع يمين الحزب الجمهوري سياسياً ودعم وصول رونالد ريغان للوصول إلى البيت الأبيض. هنا ازداد الشقاق في المجتمع الأمريكي. وزاد التحزب والتنافر بين أفراده، وخاصة المجتمع السياسي.

شهدت فترة الرئيس ريغان تصاعداً في حدة الحرب الباردة بين القطبين. وزج ريغان العالم في سباق تسلح. شرع ريغان في مشروع مبادرة الدفاع الاستراتيجي.

والذي عرف بحرب النجوم. كان الغرض منه توفير قبة لمنع وصول الصواريخ السوفييتية للأراضي الأمريكية.

وبذلك يتحقق التفوق الاستراتيجي للولايات المتحدة. الإنفاق العسكري لإنهاك الاتحاد السوفييتي قابله إنهاك مالي للولايات المتحدة. وأصبح تقليص البرامج الاجتماعية لعموم الشعب وخاصة المعوزين ضرورة.

ورغم ذلك تفاقم عجز الميزانية. ورغم وصول ميخائيل غورباتشوف إلى سدة الحكم في العام 1985 وانخفاض وتيرة الحرب الباردة، لكن ريغان أبى إلا أن يواصل برنامج حرب النجوم والإنفاق العسكري.

خلفه الرئيس جورج بوش والذي شغل منصب نائب الرئيس لريغان ولكن انصب اهتمامه بالساحة الدولية على حساب الداخل. ورغم النصر المؤزر ضد القائد الضرورة، صدام حسين، حين احتل الكويت إلا أنه خسر الانتخابات لشابين أرادا أن يغيرا وجهة أمريكا:

بيل كلينتون وآل جور. نجحت الإدارة في تتويج الولايات المتحدة كالقطب الأوحد في العالم وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. لم يعد الأخير مهدداً عسكرياً ولا اقتصادياً ولا أيديولوجياً.

دخلت الولايات المتحدة حقبة العولمة متقدمة على جميع الدول. كانت الطفرة التكنولوجية والإنترنت المن والسلوى الذي نزل على الولايات المتحدة.

استطاع كلينتون أن يوازن الميزانية، بل حقق فائضاً مالياً لثلاثة أعوام متتالية، واستطاع أن يقلص من المديونية العامة.

ويعود الفضل في ذلك في تقليص ميزانية الدفاع مع نهاية الحرب الباردة وكذلك النمو الاقتصادي الكبير والذي أدى إلى مزيد من الإيرادات التي جنته الحكومة مما خلق وفرة مالية.

عند مجيء بوش الابن للرئاسة في مطلع الألفية الجديدة، كان الرئيس الجديد غضاً، بعكس والده، في الشؤون الدولية، لكنه استوعب درس هزيمة والده. وكان برنامجه الانتخابي تجنب التورط في حروب خارجية.

بن لادن كان له رأي آخر. أحداث سبتمبر الإرهابية وقلة خبرة الرئيس بالشأن الدولي ومساعدون من الصقور والمحافظين الجدد دفعوا الرئيس إلى منطقة الشرق الأوسط من أفغانستان إلى العراق.

ردة الفعل القوية على الأحداث الإرهابية أثرت على الولايات المتحدة مالياً، وعسكرياً، وأخلاقياً.

كان المحافظون الجدد يخططون لغزو العراق قبل أحداث سبتمبر. واستغلوا الأزمة للتغرير بالرئيس بوش الابن لغزو العراق تحت ذريعة أسلحة الدمار الشاملة والتي لم يكن يمتلكها العراق.

الإنفاق العسكري حوّل الفائض الذي خلفه كلينتون إلى عجز في الميزانية؛ وانفجار فقاعة الإنترنت أدت إلى انحدار اقتصادي. تلتها أزمة الرهن العقاري في 2007 ـ 2008 لتجهز على ما تبقى.

لا يسع المجال إلى تفصيلات كثيرة. ولكن التمدد الخارجي غير المدروس والسياسات المالية التي اتبعتها الإدارات المتعاقبة مثل تخفيض الضرائب إلى بداية نهاية القرن الأمريكي. وقد أدى كل هذا إلى أن يتجاوز الدين القومي 40 تريليون دولار.

الإمبراطوريات لا تنهار فجأة، بل تدريجياً.