عندما يجتمع في بيئة عمل أشخاص من جنسيات مختلفة حول العالم، يظهر تباين ملحوظ. هذا الاختلاف غير مكتوب، وربما يحمل كثير من الناس تجاهه تحاملاً تارة على شعب بعينه أو إعجاباً تارة أخرى لكنهم في الواقع لا يدركون أننا مختلفون.
هذا ما تقوله الدراسات وواقع الحال، فالأمريكي يختلف قليلاً في التواصل عن البريطاني، والألماني كذلك بصراحته المعهودة، وكذلك العربي والصيني وغيرهم.
أعيد حالياً قراءة كتاب جميل بعنوان «خريطة الثقافة» The Culture Map للباحثة إيرين ماير، حيث استعرضت فيه دراسات عديدة وخبراتها في هذا المجال، فهي تعرف هذه الاختلافات الثقافية عن قرب فهي أستاذة في كلية «إنسياد» لإدارة الأعمال، وكرست جزءاً كبيراً من أعمالها لفهم كيف يتعامل القادة مع الفوارق الثقافية في بيئات العمل متعددة الجنسيات. ودفعتها تجارب العيش والعمل في أفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة إلى دراسة أنماط التواصل وأساليب العمل بين الشعوب.
فقد تبين أن الألماني يميل إلى التعبير عما يراه بوضوح ومباشرة لا لبس فيها. وقد تبدو عباراته حادة بالنسبة لزملائه لكنه يراها نوعاً من الصراحة المهنية المطلوبة. البريطاني، على الجانب الآخر، عُرف بمباشرته لكنه يميل إلى تلطيف عباراته حتى يظن البعض أن محدثه البريطاني ليس ممتعضاً ولا يقدم نقداً حقيقياً. لكنها طبيعة الثقافة البريطانية التي تلتزم بالكياسة في القول والإشارة.
الأمريكي عموماً، يعد حالة لافتة، فهو ينتمي إلى ثقافة واضحة في التواصل لكنه عند تقديم الملاحظات السلبية قد يميل إلى البدء بالثناء ثم يمرر نقده في ثنايا كلامه ثم يعود إلى عبارة إيجابية يختم بها حديثه.
ولذلك عندما يسمعه من هو حديث عهد بالتواصل مع الأمريكيين (وخصوصاً من جاء من ثقافة أكثر مباشرة) فقد يتبادر إلى ذهنه التساؤل التالي: إذا كان عملي رائعاً إلى هذا الحد فأين المشكلة؟!
في الثقافة الصينية تزداد الحاجة إلى فهم ما بين السطور. فهناك، ما يسمى بثقافة «السياق الأعلى» كما تسميها الباحثة، وهي أقل ميلاً نحو النقد السلبي المباشر من بريطانيا وأمريكا وألمانيا.
وقد يتجنب المسؤول إحراج الموظف أمام زملائه، فيضطر إلى إيصال رسالته بعبارات أكثر تحفظاً. وهنا يتوقع من المتلقي (الموظف) أن يتحلى بالبراعة اللازمة (أو الذكاء المهني) في التقاط مغزى الكلام.
في أمريكا الجنوبية، تتغير طبيعة ثقافة التواصل قليلاً، فالبرازيليون والمكسيكيون مثلاً أكثر ميلاً إلى الدبلوماسية في النقد من الأمريكيين. في حين نجد الأرجنتينيين أكثر مباشرة نسبياً من كثير من ثقافات المنطقة.
وهنا تذكرت رد فعل لاعبي الأرجنتين في نهائي كأس العالم لكرة القدم عام 2026، عندما خسروا مباراة قدموا فيها أسوأ أداء أمام نظيرهم الإسباني (بطل الكأس)، وارتكبوا مخالفات عنيفة في حق لاعبي إسبانيا أثارت حفيظة جماهير العالم، ومع ذلك وجدناهم يديرون ظهورهم لحظة رفع المنتخب الإسباني كأس العالم في أمريكا، في تصرف أثار الجدل، وعبر بوضوح عن مشاعرهم.
وربما هذا مؤشر بسيط على أن القارة الواحدة ليست كتلة ثقافية واحدة، حيث لا تتطابق ثقافة وممارسات الشعب الصيني مع نظيرتها لدى الشعب الياباني لمجرد أنهما يقعان في قارة آسيا، وكذلك الحال في بلدان أمريكا الجنوبية.
المفارقة أن سوء الفهم يحدث أحياناً حتى بين الثقافات المتقاربة. وتروي المؤلفة قصة مدير مالي ألماني كان رئيسه البريطاني «يقترح» عليه أن يفكر في تغيير أمر ما. فتعامل الألماني مع الكلام باعتباره اقتراحاً يمكنه رفضه. ثم اكتشف لاحقاً أن الإنجليزي كان يقول بأسلوب لبق جداً «غير هذا السلوك».
صحيح أن هناك العديد من الدراسات عن اختلافات الشعوب في أشكال تواصلها، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يدفعنا إلى بناء أحكام مسبقة ضد أحد إطلاقاً، فإدراك هذه الاختلافات هو دعوة إلى «تفهُم» الاختلاف والتعايش معه ومحاولة توضيح وجهة النظر من دون لبس.