المدرسة القديمة

في أحد الاجتماعات التي جمعتني بزملاء من أجيال متعددة نعمل تحت سقف واحد، تشعّب الحوار بين الحاضر والماضي وبين الجديد وما اعتاده السابقون، حتى قال أحدهم عن زميل لنا: «هذا من المدرسة القديمة».

قيلت بروح مازحة، فضحك البعض في حين مرّت على آخرين بشيء من الثقل، كأنها تحمل حكماً مستتراً على العمر والتجربة معاً.

توقفت عند العبارة، وتساءلت: لماذا أصبحت «المدرسة القديمة» وصفاً يحمل شيئاً من الانتقاص؟ وهل تكشف شيئاً من طريقة نظرنا إلى من سبقونا؟

إذ كيف يتحول الأساس الذي قامت عليه خطواتنا الأولى إلى لافتة نرفعها أحياناً للتقليل عوضاً عن التقدير؟ وربما ظلمنا العبارة نفسها حين حصرناها في هذا المعنى؛ فالمدرسة القديمة قد تعني أيضاً انضباطاً والتزاماً وخبرة صنعتها السنين.

ولو تمعّنا قليلاً، لوجدنا أن القديم لم يكن يوماً عائقاً، بل كان الأرض الصلبة التي بدأت منها خطواتنا. من هناك تعلمنا الحروف الأولى، ومن هناك انطلقت المبادئ التي لا تزال تحكم حاضرنا. كل نظام حديث وكل فكرة متطورة، سبقهما أساس وُضع في زمن ما، ثم جاءت أجيال أضافت إليه ما يناسب زمانها.

النقد حق مشروع بل ضرورة لا غنى عنها، لكنّ الفارق شاسع بين نقد السياسات والإجراءات التي لم تعد مناسبة، وبين السخرية من أجيال سابقة.

الزمن يتغير والتفكير يتطور، غير أن إنصاف من سبقونا يبقى واجباً، وحين نصفهم بالمدرسة القديمة باستخفاف، فإننا نجرح أشخاصاً قدّموا لنا عصارة تجاربهم، في حين أن النقد البنّاء يوجَّه نحو تطوير ما لم يعد صالحاً، لا نحو من اجتهدوا في زمانهم.

ليس كل قديم سيئاً لمجرد أنه قديم، كما أن الجديد ليس أفضل لمجرد أنه جديد، ففي تجارب من سبقونا ما لا يمحو أثره الزمن؛ خبرات تراكمت، وقيم ثبتت، وأخطاء دفعوا ثمنها حتى لا نكررها. و«زمن الطيبين» يجب ألا يُختزل في حنين عاطفي، بل في إدراك أن كثيراً من استقرارنا المعاصر مدين لجهودهم.

مسؤوليتنا اليوم ليست في هدم القديم أو التمرد عليه، وإنما البناء فوقه واستكمال ما نسيه السابقون أو عجزوا عنه، فالتقدم لا يبدأ بالتنكر لما سبق، والماضي ليس خصماً للمستقبل، بل إرث ممتد فينا، والحكمة أن نمضي إلى الأمام دون أن نكسر الجسر الذي أوصلنا إلى هنا.