رغم الأنباء السيئة الكثيرة التي تملأ العالم، وتملأ المنطقة من حولنا باعتبارها جزءاً من هذا العالم، إلا أن أخباراً جيدة تأتي من وقت إلى آخر، فتخفف قليلاً من ثقل الأخبار شديدة الوطأة على الناس في كل مكان.
صحيح أن الأخبار الجيدة قليلة، ولكنها على قلتها لا تخلو في ثناياها من دعوة إلى التفاؤل، ولا من النور الخفيض الذي يبعث على الأمل. من بين هذه الأخبار، بل وفي المقدمة منها، ذلك الخبر الذي أذاعته وكالات الأنباء عن أن حركة حماس قررت التوجه نحو العمل السياسي في المرحلة المقبلة، وأنها ستنخرط في العمل الاجتماعي أيضاً.
وأنها ستشارك في الانتخابات البرلمانية التي دعا إليها الرئيس، محمود عباس في نوفمبر المقبل، وأن مشاركتها ستكون بعد تحولها إلى حزب سياسي يلتحق بأي استحقاق انتخابي، ويأمل أن يحظى فيه بثقة الناخبين.
هذا خبر سار بامتياز، وهو سار للفلسطينيين بقدر ما هو سار للعالم كله على السواء، لأن العالم يتأثر بالضرورة بأي تطور يطرأ على القضية في فلسطين، وسواء أكان التطور الطارئ حسناً أم كان سيئاً على النقيض. طبعاً يتمنى كل مراقب للأحوال في الأراضي الفلسطينية، لو أن توجهاً كهذا من جانب حركة حماس قد جاء منذ وقت مبكر.
وبالتحديد منذ ما قبل «طوفان الأقصى» الذي أطلقته كتائب القسام التابعة للحركة في السابع من أكتوبر 2023 فأغرق العالم فيما أغرق، ولم يتوقف فيضانه عند حدود الأراضي الفلسطينية وحدها، ولا عند آفاق المنطقة في نطاقها.
تعالوا نتخيل أن «حماس» قررت في السادس من أكتوبر من سنة الطوفان، أي قبله بيوم واحد، التحول إلى حزب سياسي، والتركيز على العمل كحزب يسعى لكسب ثقة الناخب في قطاع غزة وفي الضفة الغربية معاً، فلا تفكر في المناكفة مع السلطة في رام الله، ولا تضع رأسها برأس السلطة التي يعترف بها العالم ممثلاً شرعياً للفلسطينيين.
لنا أن نتخيل هذه الخطوة المبكرة، ثم لما أن نتخيلها ليس من أجلها كخطوة في حد ذاتها، ولكن من أجل عواقبها التي كانت ستنعكس بالإيجاب على الفلسطينيين، وكانت ستوفر عليهم الكثير من الوقت والجهد، وكانت ستجعل الوقت والجهد في خدمة القضية، وفي خدمة التوصل فيها إلى حل يقيم للفلسطينيين دولة مستقلة ذات سيادة عاصمتها القدس الشرقية.
لنا أن نستذكر الآن كيف أن وجود حركة حماس بالشكل الذي تواجدت به في قطاع غزة، منذ نشأتها وحتى الآن، لم يستفد منه إلا أعداء القضية الفلسطينية.
ولهذا فليس سراً أن أعداء القضية والمستفيدين من بقائها بغير حل، كانوا على الدوام يعملون على تغذية الانقسام الفلسطيني، وكانوا إذا سمعوا عن توجه نحو إنهاء الانقسام بين القطاع والضفة، نشطوا على الفور في اتجاه قطع الطريق على أي إنهاء للانقسام.
وليس من المستبعد أن يعملوا الآن على الوقوف في طريق تحول الحركة إلى حزب سياسي، وأن يعيقوا تنفيذ قرارها الانشغال بالعمل الاجتماعي كما قالت، وكما صدر عنها بعد اجتماع رئيس مكتبها السياسي خليل الحية، مع غاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الذي كان قد جاء في جولة في المنطقة.
ولهذا كله، فإن كل محب لفلسطين، وكل راغب في أن تجد قضيتها حلاً، وكل مراهن على إنهاء الانقسام بين غزة والضفة، يدعو الله تعالى أن يصل هذا التوجه الحمساوي الجديد إلى غايته وأن تتمسك به الحركة قبل غيرها، وأن تساعدها السلطة الفلسطينية في رام الله على إنجاز توجهها الجديد، لأن فيه الكثير من الجدوى للقضية، ولأنه خطوة أولى نحو خطوات سوف تتلوه، ولكنه في غاية الأهمية لأنه بمثابة الأرضية التي سيقام فوقها البناء.