قرنان ونصف مرت على إعلان استقلال الولايات المتحدة من بريطانيا. كان ذلك في الرابع من يوليو 1776. وخاض الأمريكيون حرباً ضروساً ضد الوطن الأم بريطانيا عرفت بحرب الاستقلال.
كان القرنان الثامن والتاسع عشر تمهيداً للقرن العشرين، والذي كان قرن أمريكياً بامتياز. تربعت الولايات المتحدة على عرش العالم بعد أن أقصت القوى العظمى من الجزء الغربي من العالم طوعاً وكرهاً.
كان لدى الأمريكيين نهم بالتوسع في أراضي القارة الشمالية. هذا النهم قولب في إطار أيديولوجي يتعلق بالحق الطبيعي كما جاء عند الفيلسوف الإنجليزي جون لوك. وهذا الحق الطبيعي يتمثل في حق الحياة، وحق الحرية، وحق التملك.
وفي كتاب لروبرت كيجن، أحد أقطاب المحافظين الجدد، بعنوان «الأمة الخطيرة» يقول بأن الأمريكيين الأوائل يؤمنون بحق تملكهم للأراضي في القارة الجديدة ويؤمنون بحق السكان الأصليين من الهنود الحمر أن يحظوا بهذا الحق الطبيعي.
وبعد الاستقلال من بريطانيا واصل الأمريكيون هذا التمدد على حساب المواطنين أصحاب الأرض تحت هذا المبرر. ويستشهد الكاتب بالآباء المؤسسين للولايات المتحدة في هذا الخصوص. توماس جيفرسون، الرئيس الثالث، والذي صاغ إعلان الاستقلال تحدث عما أسماه «إمبراطورية الحرية» في العام 1801.
ويقول في هذا المضمار إن رؤيتنا المستقبلية تتلخص في التوسع والتزايد السريع للسيطرة على القارة الشمالية وربما الجنوبية وإسكانها بأناس يتحدثون لغتنا ويحتكمون بقوانين مماثلة ونظام سياسي مشابه للنظام الأمريكي.
هذا التوجه الليبرالي والتوسع الرأسمالي التجاري انتقل من الجزء الغربي بما يشمل القارتين الأمريكيتين إلى العالم.
وقد كانت بوادر هذا التوجه التوسع التجاري في أوروبا وفي المتوسط والذي أدى إلى تصادم مع حكام طرابلس للأسرة القرمانلية والتي خاضت حرباً استمرت أربعة أعوام. ولايزال نشيد المارينز الأمريكي يذكر طرابلس كواقعة في تاريخ هذه القوات.
كان الآباء المؤسسون للولايات المتحدة يتحدثون بصراحة عن إمبراطورية يشيدونها لتتربع على العالم دون منافس. وكانت النظرة الليبرالية سواء كانت في الاقتصاد أو في السياسة قرينين للإمبراطورية التي يرومون تحقيقها.
بداية القرن العشرين كانت بداية القرن الأمريكي، حيث أصبحت الولايات المتحدة القوة الأعظم في هذا الجزء من العالم. وقد قبلت بريطانيا، القطب الأعظم في العالم، إلى انتقال الهيمنة إلى الولايات المتحدة في الجزء الغربي من العالم.
وعند نشوب الحرب العظمى انحازت واشنطن إلى بريطانيا في حربها الضروس ضد ألمانيا والإمبراطورية النمساوية-المجرية والدولة العثمانية. بل ومع نهاية الحرب دخلت الولايات المتحدة الحرب مع بريطانيا والحلفاء ضد دول المحور بقيادة ألمانيا.
رغم صعود أسهم الولايات المتحدة عالياً في النظام الدولي بعد الحرب العالمية الأولى، إلا أنها آثرت الانعزالية بين الحربين العالميتين. ولم يكن هناك رغبة أو إرادة أمريكية للعب دور دولي يحقق للولايات المتحدة قيادة العالم رغم سعيها تاريخياً لذلك.
ووصل العالم إلى حافة الهاوية حين دخل الاقتصاد العالمي الكساد العظيم في العام 1929. لم يكن هناك قوة مركزية مهيمنة تستطيع تعزيز الاستقرار المالي في العالم. المهمين الأول وهي بريطانيا عاجزة والمهيمن الصاعد الولايات المتحدة ليست لديه الرغبة في لعب الدور.
اشتدت الأوضاع مأسوية في العالم وصعدت الفاشية في إيطاليا وألمانيا وإسبانيا والبرتغال وبعض المناطق في وسط وشرق أوروبا. كما قامت الثورة البلشفية في 1917 والتي حولت الإمبراطورية الروسية إلى الاتحاد السوفييتي، والذي أدى إلى تحول جيوسياسي هائل في النظام الدولي.
الأوضاع الاقتصادية والجيوسياسية وغياب قوة دولية ممكن أن تلعب دوراً موازناً أدى إلى مواجهة عسكرية عمت العالم من أوروبا إلى آسيا إلى أفريقيا وإلى الولايات المتحدة والتي انضمت إلى الحلفاء ضد دول المحور.
خرج الحلفاء منتصرين في الحرب العالمية الثانية، والتي انتهت بإلقاء قنبلتين ذريتين على اليابان. نهاية الحرب كانت بداية النهاية للإمبراطورية البريطانية وصعود الولايات المتحدة كأعظم دولة في العالم رغم المنافس الشرس المتمثل بالاتحاد السوفييتي.
تحققت نبوءة الآباء المؤسسين للولايات المتحدة وأصبحت الجمهورية المكونة من 13 مستعمرة قوة قارية، ثم دولة عظمى يمتد نفوذها في أركان العالم. هذه بداية القرن الأمريكي والذي استمر من 1945 إلى بدايات القرن الواحد وعشرين. وكما قال الشاعر العباسي أبو العتاهية: ما طارَ طَيرٌ فَاِرتَفَع.. إِلّا كَما طارَ وَقَع.