وضع الغبار تحت السجادة

قبل أن يتم اختراع المكانس الكهربائية، كانت ربات البيوت يعرفن جيداً أن تنظيف البيت لا يكتمل إذا بقي الغبار فوق السجادة..

لكن الكسالى من البشر كانوا يختارون الطريق الأسهل، يكنسون الغبار إلى زاوية، ثم يرفعون طرف السجادة قليلاً، ويدفعونه إلى أسفلها، فيبدو البيت نظيفاً لمن يراه لأول وهلة، في حين أن الأوساخ - حقيقةً - لم تختفِ، بل غابت عن العين فقط.

هذه الصورة تختصر كثيراً من سلوكياتنا في الحياة، فنحن - أفراداً ومؤسسات ودولاً - نميل أحياناً إلى تأجيل مواجهة المشكلات، مقنعين أنفسنا بأن الوقت كفيل بحلها، أو أن تجاهلها سيجعلها تتلاشى من تلقاء نفسها، غير أن المشكلات لا تشبه الثلج الذي تذيبه الشمس، المشكلات تشبه الغبار الذي يتراكم تحت السجادة.

كم أسرة فضلت الصمت على خلاف صغير حتى تحول إلى قطيعة كبيرة؟ وكم مؤسسة تجاهلت خللاً إدارياً بسيطاً حتى أصبح ثقافة يصعب اقتلاعها؟

وكم مجتمع أغلق عينيه عن مشكلة اجتماعية ظناً أنها شأن عابر، فإذا بها تكبر لتصبح ظاهرة متفشية! المشكلات لا تخيف لأنها موجودة، ولكن لأنها تُترك بلا علاج، الاعتراف بالمشكلة ليس هزيمة، بل هو أول خطوة نحو الانتصار عليها، أما إنكارها فهو بداية الطريق إلى تفاقمها.

الأمر ذاته ينطبق على الاقتصاد، فالدول التي تؤجل إصلاح اختلالاتها المالية، أو تؤخر تنويع مصادر دخلها، أو تتردد في معالجة أوجه القصور في أسواقها، إنما تضع الغبار تحت السجادة، قد يبدو المشهد مطمئناً لبعض الوقت.

لكن الحساب يأتي لاحقاً، وغالباً ما يكون أكثر كلفة وأشد إيلاماً، أما الدول التي تمتلك الشجاعة لمراجعة سياساتها وتصحيح أخطائها، واتخاذ القرارات الصعبة في الوقت المناسب، فهي التي تبني اقتصادات قادرة على الصمود أمام الأزمات.

وفي السياسة أيضاً لا تختلف القاعدة كثيراً، فالأزمات التي تُرحّل والخلافات التي تُترك من دون حلول، والملفات التي تُدار بمنطق كسب الوقت، لا تلبث أن تعود بصورة أكثر تعقيداً، لقد علمنا التاريخ أن الأزمات المؤجلة لا تموت، بل تتغير أشكالها وأحجامها حتى تصبح معالجتها أكثر صعوبة مما كانت عليه في بدايتها.

والأمر لا يقتصر على الحكومات، فحتى الإنسان قد يمارس هذه العادة مع نفسه، يؤجل الاعتذار ويؤجل اتخاذ القرار ويؤجل مراجعة أخطائه ويؤجل تغيير عاداته السيئة، حتى يكتشف بعد سنوات أن ما كان يحتاج إلى خطوة صغيرة، أصبح يحتاج إلى رحلة طويلة.

الأمم التي تصنع المجد ليست تلك التي تخلو من المشكلات، فهذه أمة لم توجد ولن توجد، الأمم التي تصنع المجد هي التي تمتلك شجاعة النظر في المرآة، والاعتراف بما فيها من عيوب، ثم تبدأ في إصلاحها بلا مواربة ولا تردد، فالمجد لا يُبنى على الأوهام، ولا على تزيين الواقع، المجد يبنى على مواجهة الواقع كما هو، ثم العمل على تغييره.

لقد اختارت دولة الإمارات، منذ سنواتها الأولى، نهج المكاشفة والمراجعة المستمرة.. لم تعتبر الإنجاز نهاية الطريق، بل بداية لتحديات جديدة.. لذلك لم تتردد في مراجعة القوانين وتطوير المؤسسات واستشراف المستقبل، وإطلاق المبادرات التي تستبق المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. هذه الثقافة هي التي جعلت التطوير عادة يومية، لا استجابة اضطرارية.

الطريق إلى المستقبل لا يحتاج إلى سجادة كبرى نخفي تحتها أخطاءنا، الطريق إلى المستقبل يحتاج إلى مكنسة نمسك بها بشجاعة لنزيل الغبار من جذوره.

فالمشكلة التي تواجهها اليوم مهما كانت صعبة تبقى أهون بكثير من المشكلة نفسها بعد سنوات من الإهمال، ولعل أخطر ما يفعله الإنسان بنفسه هو أن يقنعها بأن ما لا يراه لم يعد موجوداً؛ فالغبار يظل غباراً سواء كان فوق السجادة أو تحتها، الفرق الوحيد هو أن الأول يمكن تنظيفه بسهولة أما الثاني فلا يلبث أن يشوّه البيت كله.

إذا كنا نطمح إلى مجتمع أكثر تماسكاً، واقتصاد أكثر قوة، ومستقبل أكثر إشراقاً، فعلينا أن نتخلى عن عقلية إخفاء أكوام الغبار تحت السجاجيد؛ فالمجد لا يمر فوق السجاجيد المنتفخة بالأخطاء المؤجلة، بل يسير على أرض ممهدة نُظفت بعقول شجاعة وضمائر يقظة وإرادة لا تخشى مواجهة الحقيقة مهما كانت قاسية. فمن يملك شجاعة الكنس اليوم، يملك غداً حق السير واثقاً نحو القمة.