على ضفاف الكلمة..يولد الوطن

بين عبق الكتب أجد نفسي، وبين مجلدات القدماء وفلسفاتهم أجد شغفي؛ فتجدني أبحث، وأدوّن، وأفسّر، وأحياناً أحلّل. وبينما كنت في خلوةٍ أدبية أعشقها، استوقفتني دلالات الكلمة؛ وأقصد هنا اللفظ نفسه ومعناه معاً، في ذلك الحوار الذي كتبه الأديب عبدالرحمن الشرقاوي، وكان للكلمة فيه حضور يتجاوز حروفها، حتى غدت موقفاً ومسؤولية وشرفاً.

يقول على لسان الحسين بن علي رضي الله عنهما: ما دين المرء سوى كلمة، ما شرف الرجل سوى كلمة، ثم يمضي الحوار في استجلاء معنى الكلمة: أتعرف ما معنى الكلمة؟ مفتاح الجنة في كلمة، دخول النار على كلمة، وقضاء الله هو الكلمة.

الكلمة نور وبعض الكلمات قبور، وبعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري. الكلمة حصن الحرية. إن الكلمة مسؤولية إن الرجل هو الكلمة.

استوقفتني هذه الصورة الأدبية؛ لا لأقف عند أحداثها أو شخصياتها، ولا عند زمانها أو تفاصيلها، وإنما لأتأمل كيف تستطيع الكلمة أن تحمل في داخلها معنى أكبر من ذاتها. فاستعرتُ بناءها لا فكرتها، وسرت على إيقاعها لا على سياقها، وأخذت منها ذلك السؤال الذي ظل يتردد في داخلي:

أتعرفون ما معنى الكلمة؟

فوجدتني أجيبها من نافذةٍ أخرى، ومن مكانٍ آخر، ومن شعورٍ يسكنني: الوطن كلمة.

عشق الوطن كلمة، وسلامة الوطن كلمة، وفداء الوطن كلمة. الولاء له كلمة، والانتماء إليه كلمة، والتضحية من أجله كلمة. السلام كلمة، والأمان كلمة، والعز كلمة، والكرامة كلمة. تعرفون ما معنى أن يكون الوطن كلمة؟

أن يسكن في القلب قبل أن نسكنه كأرض. أن يكون ترابه ذاكرة، وعبقه حكاية، وأرضه انتماءً، وسماؤه أماناً. أن يكون الدفاع عنه مسؤولية، والوفاء له عهداً، وحبه شعوراً لا يحتاج إلى شرح. شموخ المرء وطنه، وشرف المرء كلمته.

وكلمة العز نور، وكلمة الولاء حصن، وكلمة الوفاء عهد. الكلمة الطيبة تبني القلاع، وتجمع القلوب، وتنشر السلام، الكلمة مسؤولية. ومسؤولية المرء فيما يقول، وشرفه فيما يفي به، ومعدنه فيما يقف إليه حين تصبح المواقف أكبر من الكلام.

وهنا أعود إلى نافذتي الصغيرة، تلك التي أبحرت بي بعيداً في عالم الأدب، ثم أعادتني إلى عالمي؛ إلى أرض أعرفها، وتراب أنتمي إليه، وعبق لا يشبهه عبق آخر.

لم تكن غايتي أن أجاري بلاغة كلام على لسان الإمام الحسين رضي الله عنه، فذلك مقام لا يُجارى، ولم تكن غايتي أن أقارن بين نصين أو موقفين؛ وإنما كانت مجاراةً أدبية خالصة، أخذت فيها بناء «الكلمة» وصورتها وإيقاعها، ثم تركت لها أن تولد في داخلي بمعنى آخر.

وهنا أضع قلمي جانباً، وأغلق كتبي، لأكتشف أن الكلمة التي أبحرتُ خلفها بين الصفحات قد غادرت الكتاب هذه المرة؛ لتسكن الوجدان، وتظهر حين تنادي المواقف. كلمة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، كلمةٌ حروفُها سلام، وعنوانُها أمان، وفي معناها وطن. رايةٌ تلتف حو

لها القلوب، وعهدٌ تحفظه المواقف، ووطنٌ تصونه سواعد أبنائه. ولعل أجمل الكلمات تلك التي لا تنتهي عند حدود الحروف؛ بل تمتد إلى المواقف، فتشهد لها الأيام، وتحفظها الذاكرة.

قالها القائد كلمةً، فصانها الشعب عهداً، وأثبتتها المواقف، وخلّدها الوطن في صفحات التاريخ.