الذئب الذي قد يأتي ولا يأتي

قبل أكثر من ألفي عام، صاغ أحد حكماء الإغريق حكاية صغيرة ظلت تعيش حتى يومنا هذا.. راعٍ يرعى غنمه على أطراف القرية، يصيبه الملل فيصرخ: (الذئب... الذئب).. يهرع أهل القرية لنجدته فلا يجدون سوى ضحكاته الساخرة..

يكرر المزحة حتى يفقد الناس ثقتهم به.. وعندما جاء الذئب الحقيقي وصرخ الراعي، لم يتحرك أحد.. ظنوا أنها مزحة جديدة، فالتهم الذئب القطيع حتى آخر نعجة من نعاج الراعي الذي وقف يراقب ما يحدث يملأه الندم.

حفظنا هذه الحكاية منذ الطفولة، وعرفنا مغزاها.. من يكذب كثيراً لا يصدقه الناس حتى عندما يقول الحقيقة.. لكن السياسة أكثر تعقيداً من حكايات الأطفال، لأنها لا تمنحنا دائماً نهاية واضحة، ولا تخبرنا مسبقاً إن كان الذئب سيأتي هذه المرة أم أنه لن يأتي.

هنا يمكن قراءة الطريقة التي تعامل بها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مع إيران خلال الأشهر الماضية.. تهديدات تتكرر، ومهل زمنية تحدد، وإنذارات تبدو حاسمة، ثم تتراجع حدة الخطاب، أو تمنح فرصة جديدة للمفاوضات، أو يظهر مسار آخر يؤجل لحظة الحسم..

ومع تكرار المشهد يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام نسخة سياسية من حكاية الراعي والذئب، أم أننا أمام لعبة مختلفة؟

هناك احتمالان، كلاهما يستحق أن يؤخذ بالجدية نفسها.. الاحتمال الأول أن تكون التهديدات المتكررة جزءاً من سياسة الضغط، وأن ترامب يفضل إبقاء إيران تحت وطأة التهديد دون الذهاب إلى مواجهة عسكرية..

ففي السياسة لا يعني التهديد دائماً وجود نية لتنفيذه، وأحياناً تكون قيمته الحقيقية في بقائه تهديداً، لأن استخدام القوة ينهي وظيفة التلويح بها، ويفتح الباب أمام تداعيات يصعب التحكم فيها.

وفق هذا الاحتمال، يمكن أن يستمر المشهد على النمط نفسه: تهديد، ثم مهلة، ثم تفاوض، ثم مهلة جديدة.. وقد نكتشف في النهاية أن الذئب الذي انتظر الجميع ظهوره لن يأتي، وأن الهدف من الصراخ كان زيادة الضغط على الخصم ودفعه إلى تقديم تنازلات.

لكن هناك احتمالاً آخر لا يقل منطقية.. ماذا لو كان تكرار التهديدات وعدم تنفيذها فوراً يجعل الطرف الآخر أقل حساسية تجاهها؟.. ماذا لو بدأت إيران تعتقد أن كل إنذار جديد سينتهي كما انتهت الإنذارات السابقة، وأن المهلة المقبلة ستعقبها مهلة أخرى؟..

هنا يصبح الاطمئنان نفسه خطراً.. فالمفاجأة العسكرية لا تتحقق فقط بإخفاء ساعة الهجوم ومكانه، وإنما عندما يقتنع الخصم بأن الهجوم لن يقع أصلاً..

وكلما تكرر التهديد دون تنفيذ، ازداد احتمال أن يتعامل الطرف المستهدف مع التهديد التالي باعتباره امتداداً للمشهد السابق، لا مقدمة لمشهد جديد.. ثم تحدث المفاجأة ويأتي الذئب فتحلّ الكارثة.

المشكلة أن أحداً لا يستطيع أن يعرف على وجه اليقين أي الاحتمالين هو الصحيح.. قد لا يأتي الذئب وقد يأتي.. وهذه تحديداً هي المعضلة التي تصنعها سياسة التهديدات المتكررة..

فالخصم لا يستطيع تجاهلها، لأنه لا يملك ضماناً بأن التهديد المقبل لن يُنفذ، ولا يستطيع التعامل مع كل تهديد باعتباره ساعة الصفر، لأن التجارب السابقة تدفعه إلى الاعتقاد بأن هناك مساحة أخرى للمناورة.

هكذا يصبح الغموض نفسه أداة سياسية.. فلو كانت إيران تعرف أن الولايات المتحدة ستضرب في موعد محدد، لاستعدت لذلك الموعد.. ولو كانت تعرف يقيناً أنها لن تضرب، لتعاملت مع التهديدات باطمئنان كامل.. أما عندما يبقى الاحتمالان متساويين، فإنها تجد نفسها أمام معادلة أصعب، الاستعداد لشيء قد يحدث، والتفاوض على أساس شيء قد لا يحدث.

الفارق بين حكاية الراعي القديمة والمشهد السياسي الراهن أن أهل القرية عرفوا النهاية بعد وقوعها، أما نحن فما زلنا داخل الحكاية.. سمعنا صرخة الذئب أكثر من مرة، لذلك يستطيع أحدهم أن يقول: لن يأتي، فقد سمعنا ذلك من قبل.. ويستطيع آخر أن يقول: ربما تكون هذه المرة مختلفة.

كلاهما يملك حجته، ولا أحد يملك اليقين.. فالذئب الذي نعرف أنه سيأتي نستعد له، والذئب الذي نعرف أنه لن يأتي نتجاهله.. أما الذئب الذي تتساوى احتمالات حضوره وغيابه، فهو الأخطر، لأنه يُبقي الجميع عند أبواب القرية، يتساءلون مع كل صرخة جديدة: هل يأتي هذه المرة، أم أنها مزحة جديدة؟