تجسد الحوكمة المؤسسية الركيزة الأساسية التي تنطلق منها الهيئة الاتحادية للضرائب لبناء منظومة ضريبية تتسم بالنزاهة والقدرة على مواكبة أرقى المعايير العالمية في الإدارة الضريبية.
فالثقة في البيئة التنظيمية لا تأتي مصادفة، بل هي نتاج عمل مؤسسي يوازن بين سرعة الإجراءات ودقة الرقابة، ويضمن استقرار السياسات المالية في مواجهة المتغيرات الاقتصادية المتسارعة، وهو ما يترجمه نجاح الهيئة في تفعيل وبناء نظام حوكمة متكامل لتقييم الأداء المؤسسي وإدارة المخاطر استناداً إلى الممارسات المعتمدة عالمياً.
إن تبنّي أطر الحوكمة الرشيدة يسهم بشكل مباشر في تعزيز موثوقية النظام الضريبي الوطني، ويوفر للمتعاملين والمستثمرين ضمانات قانونية وإجرائية ترفع من مستوى الشفافية وتدعم استدامة التميز في الأداء الحكومي، بما يتماشى مع توجهات الدولة نحو اقتصاد معرفي متين.
ويمثل التزام الهيئة بتطبيق أعلى المعايير الدولية في إدارة الجودة واستمرارية الأعمال وأمن المعلومات انعكاساً لنهجنا الراسخ في استدامة التميز وتحويله إلى واقع ملموس.
إن الحصول على الاعتمادات العالمية والاحتفاظ بها يتجاوز كونه إنجازاً إدارياً، فهو في جوهره التزام تشغيلي يضمن استمرارية الخدمات بكفاءة كاملة وتحت مختلف الظروف.
ومن خلال مواءمة كل عملياتنا مع المواصفات القياسية العالمية نؤكد لمجتمع الأعمال المحلي والدولي أن بياناتهم وحقوقهم الضريبية محمية ضمن بيئة تقنية وتشريعية محصنة تتبع بروتوكولات حوكمة منضبطة.
هذا الانضباط المؤسسي لا يرفع كفاءة العمل فحسب، بل يعزز من جاذبية دولة الإمارات للاستثمارات النوعية التي تبحث عن نظم ضريبية تدار وفق أفضل الممارسات العالمية بما يضمن العدالة والشفافية في كافة مراحل التعامل.
وتشكل منظومات الرقابة والتدقيق الداخلي الركيزة التي تضمن توافق الممارسات الضريبية مع المستهدفات الاستراتيجية والتشريعات النافذة. وتعمل الهيئة على تطوير أدوات رقابية ذكية تعتمد على تحليل البيانات الضخمة، ما يساعد في رصد المتغيرات بدقة متناهية ودعم مبادئ النزاهة والامتثال.
وتقتضي الحوكمة الرشيدة وجود آليات تدقيق مستمرة تسعى لتطوير الأداء ومعالجة الفجوات بشكل استباقي قبل تحولها إلى تحديات تشغيلية، وقد تجلى هذا الالتزام الاستثنائي في تحقيق مكتب التدقيق الداخلي المستهدف السنوي لمعظم مؤشرات الأداء الاستراتيجية والرقابية لعام 2025 بنسبة 100 %.
ومن بينها مؤشر التزام الوحدات التنظيمية بإغلاق خطط عمل ملاحظات التدقيق، ومؤشر رفع التقارير الدورية للإدارة العليا ولجنة التدقيق والمخاطر.
هذا النهج الرقابي المتقدم يقلص من نسب المخاطر الإدارية والمالية، ويرسخ الثقة المتبادلة بين الهيئة والمجتمع الضريبي، حيث يشعر الخاضعون للضريبة بأن الإجراءات تتسم بالمهنية العالية، ما يحفز على الامتثال الطوعي.
وفي ظل التوجه نحو الاقتصاد الرقمي الشامل تبرز حوكمة البيانات كأحد أهم مرتكزات الإدارة الضريبية الحديثة وأكثرها حساسية. وتولي الهيئة أهمية قصوى لإدارة الأصول المعلوماتية وحمايتها وفق أفضل الممارسات العالمية، بما يضمن سرية البيانات المالية للمتعاملين وسرعة معالجتها لدعم اتخاذ القرار الاستراتيجي المبني على الحقائق.
وتسهم الإدارة الكفؤة للبيانات في تحسين جودة الخدمات الاستباقية وتوفر رؤية واضحة حول التوجهات الاقتصادية الكلية، وهو ما دفعنا إلى إطلاق منصة ذكية متطورة لتحليل سلوك 400 ألف دافع ضرائب بهدف رصد حالات عدم الامتثال بدقة، بالتوازي مع تشغيل منصة الذكاء الاصطناعي (Dataiku) لتحليل الامتثال واكتشاف الفجوات.
إننا نستثمر بشكل متواصل في تعزيز البنية التحتية المعلوماتية لضمان أن تظل منظومتنا الضريبية نموذجاً عالمياً في توظيف التكنولوجيا لخدمة الحوكمة والنزاهة، مع الحفاظ على أعلى مستويات الأمن السيبراني.
كما تعد الشفافية المحرك الرئيسي لرفع كفاءة المنظومة الضريبية، وهي الأداة الفعالة لتعزيز الوضوح في العلاقة بين الهيئة ودافعي الضرائب. ونحن نحرص على جعل كل السياسات، والإيضاحات الفنية، والقرارات التنظيمية متاحة ومفسرة بأسلوب يسهل استيعابه، لضمان أعلى مستويات الامتثال الطوعي دون تعقيدات إدارية.
حيث قمنا خلال عام 2025 بإعداد وتحديث 14 دليلاً إرشادياً متخصصاً لتنظيم العلاقة مع الخاضعين للضريبة. إن تبنّي مبادئ الإفصاح والوضوح المعرفي يقلص من احتمالات التباين في التفسيرات القانونية، ويخلق بيئة عمل يسودها الانضباط المهني والعدالة.
وعندما تصبح الشفافية ثقافة مؤسسية مشتركة، يتحول الامتثال الضريبي من ممارسة إجرائية إلى مسؤولية وطنية تعكس وعي قطاع الأعمال بدوره المحوري في دعم مسيرة التنمية المستدامة التي تنشدها الدولة.
ولا تكتمل منظومة الحوكمة إلا بوجود كوادر بشرية مؤهلة تؤمن بقيم النزاهة والتميز.
لذلك تركز الهيئة على بناء قدرات موظفيها في مجالات التدقيق، والحوكمة، والمخاطر، لضمان تنفيذ المهام وفق أرقى المعايير الاحترافية. نحن نعمل على ترسيخ ثقافة تنظيمية تضع الشفافية والمسؤولية في قلب كل عملية تشغيلية، ما يضمن استمرارية التميز المؤسسي على المدى الطويل.
إن الاستثمار في رأس المال البشري هو الضمانة الحقيقية لاستدامة نجاح المنظومة الضريبية، وقدرتها على تقديم نموذج إداري يحتذى به في الكفاءة والنزاهة والقدرة على التكيف مع متطلبات المستقبل.
وستظل الحوكمة والشفافية هما البوصلة التي توجه جهودنا نحو تحقيق ريادة عالمية مستدامة في الإدارة الضريبية. نحن ملتزمون بمواصلة تحديث منظوماتنا الرقابية والإدارية بما يتوافق مع أرقى المعايير الدولية، انطلاقاً من إيماننا بأن قوة النظام الضريبي تكمن في عدالة إجراءاته وكفاءة كوادره ووضوح رؤيته.
المدير العام للهيئة الاتحادية للضرائب