عن دبي وسرديتها الإعلامية

الأرقام والنسب هي لغة الإنجازات التي لا تعرف الكذب -كما يُقال. وهي اللغة الأكثر مصداقية لدى رجال الأعمال؛ لأنها تختصر لهم الكثير من الشرح المطول والممل في بعض الأحيان لما يحدث على الأرض من وقائع، ويفضلها المستثمرون لأنها تؤشر عن استقرار الدولة، وتعطيهم الثقة في نقل أموالهم.

أما السردية الإعلامية، القادم الجديد، وبثقة، في لغة القوة الناعمة من أجل التأثير في سلوك الجماهير، فهي من تُفسر كيف حدثت تلك الإنجازات؟ وكيف تم تحقيق تلك الأرقام؟ وما الرؤية المستقبلية؟ يعني ما أن السردية هي من تحول الأرقام لتكون قوة تأثير في الجمهور والأشخاص.

بالمختصر، الاثنان (لغة الأرقام والسردية الإعلامية)، يكملان بعضهما لبناء المجتمعات الناجحة. فالأرقام معلومة، ولكن السردية مفسرة لتلك المعلومة، وهي كبيرة في وقتنا الحاضر لمواجهة التحديات الجديدة التي ظهرت مؤخراً بفعل وسائل التواصل الاجتماعي.

لذا، جاء قرار سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الثاني لحاكم دبي، رئيس مجلس دبي للإعلام، بتشكيل لجنة تنظيم السرد الإعلامي في إمارة دبي مؤخراً، معبّراً عن أهمية الاستعداد للمتغيرات والتحديات التي تبدو أنها ستكون جزءاً من أدوات الحرب بين المجتمعات، وسيكون المنتصر في تلك الحروب من يستطيع البقاء في ذهنية الجماهير أو الناس لأطول فترة ممكنة.

أما عن فلسفة قرار تنظيم السرد الإعلامي في إمارة دبي، حيث تفترض هذه الفلسفة أن القيم الإنسانية الإيجابية التي تمتلكها دبي، والتي رسختها قيادتها السياسية، والتي منها: الاستقرار، والتعايش، والإنجاز، واستشراف المستقبل، لا بُدّ من البناء عليها من أجل تحقيق هدفين اثنين، هما، الهدف الأول: ترسيخ مكانة إمارة دبي في العالم باعتبارها إمارة ملهمة في مجال التنمية بمفهومها الشامل لإسعاد البشرية.

الهدف الثاني: تنظيم سردية دبي لصنع صورة ذهنية راسخة لدى الجماهير، تعبر عن حقيقة التطور الكبير الذي تعيشه الإمارة وفق ثلاثة عناصر، هي: هوية دبي كمدينة عالمية، ووفق استعراض أفكار القائمين على تجربتها التي تواكب المستقبل، وكذلك وفق قدسية العمل والجهود المبذولة بتعاون وتكامل مؤسساتها.

السردية أو الرواية أثبتت أن المتغير الإعلامي الجديد الذي شكلته الظروف الحالية التي تعيشها منطقتنا منذ عام 2023، لديها القدرة على تغيير نمط التفكير لدى الناس، إذا ما تم توظيفها بشكل منهجي ومنظم، وهذا ما يهدف إليه قرار تشكيل لجنة تنظيم سردية دبي الإعلامية.

فالقوة الإعلامية التي حققتها السردية الفلسطينية في فترة ما بعد 2023، مقابل السردية الإسرائيلية، كانت نتيجة مهارة من يرويها بإتقان ومهارة، والابتعاد عن العمل العشوائي، لتحقيق تراكمية معرفية حول القضية المراد ترسيخها في أذهان الناس.

والميزة التي تستند عليها سردية إمارة دبي، تتصف بأنها واضحة؛ بمعنى، لن يتوه المتلقي كثيراً لأن يصدقها، لسبب بسيط، أنها قصة واقعية وملموسة، وعاشها الناس كتجربة حية، وتتطابق هذه السردية مع الكلام والتصريحات التي تُقال عنها، وبالتالي، حتى محاولات تشويهها لن تنجح، وإن كانت هناك محاولات كثيرة من البعض للإساءة لها، ولكن حقيقتها على أرض الواقع، وشفافية إعلام دبي، تستعصي على كل المحاولات غير البريئة.

السردية أصبحت إحدى أهم ركائز «أمن المجتمعات»، وعنصراً حاسماً من عناصر القوة بين الحكومات، خاصة في الجوانب الاقتصادية. وبانت أهمية هذه السردية بشكل أكبر، خلال الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتي نشبت في 28 فبراير 2026. بحيث تحولت صناعة الرواية أو السردية إلى سلاح استراتيجي، لا يقل أهمية عن الصواريخ والمسيرات، من حيث التأثير في استقرار المجتمعات بمفهومها الشامل.

السردية الإعلامية لم تعد مجرد قصة تُحكى، بل هي إطار معرفي يُحدد كيفية إدراك الشعوب وصناع القرار للحقائق، ومن خلالها يُعاد تعريف التجربة الناجحة من التجربة الفاشلة.