في ذكرى صدور حكم دولي لصالح الفلبين

بحر الصين الجنوبي الذي عرف عند المسلمين ببحر الصنف، هو جزء من مياه المحيط الهادئ يمتد من سنغافورة ومضيق ملقا جنوباً إلى مضيق تايوان شمالاً بمساحة تقارب 3.5 ملايين كيلومتر مربع. وعلى الرغم من أنه يحمل اسم الصين.

إلا أنه ليس بحراً صينياً وإنما مياه دولية تمر به ثلث الشحنات البحرية العالمية، في هذه المساحة المائية الشاسعة يوجد أرخبيل من الجزر الصغيرة معظمها غير مأهول لكنها موضع نزاع حول حقوق السيادة بين الصين والدول الآسيوية المتشاطئة الأخرى، من هذه الدول الفلبين التي تنازع الصين السيادة على جزيرة وودي وجزيرة باغاساس وشعاب فيري كروس وميستشيف وسوبي، وسكاربورو وسيكند توماس المرجانية، والتي لهذا السبب أطلقت على المياه المحاذية لها من بحر الصين الجنوبي اسم بحر الفلبين منذ عام 2012.

في 12 يوليو الماضي حلت الذكرى السنوية العاشرة لحكم محكمة التحكيم الدائمة (PCA) في لاهاي لصالح الفلبين بشأن الدعوى التي رفعتها مانيلا ضد بكين.

وهو حكم تجاهلته الأخيرة ولم تعترف به وعدته بمثابة قصاصة ورق لا قيمة لها، بدليل أنها منذ صدوره، راحت تتوسع في عسكرة المناطق المتنازع عليها ببناء المنشآت العسكرية والقواعد ومهابط الطائرات والتحصينات الدفاعية، الأمر الذي يعكس مدى التصدع الحاصل في النظام العالمي والاستهتار بالقانون الدولي من جهة، ويعكس من جهة أخرى مضي الصين في سياساتها التوسعية على حساب جاراتها الصغيرات الأقل قوة.

الأغرب من كل هذا أن الدول الـ 14 التي احتفلت بهذه الذكرى، لم تكن بينها أياً من دول منظومة «آسيان» سوى الفلبين صاحبة القضية، إذ فضلت شريكات الفلبين الآخريات الصمت.

وهذا لئن عكس شيئاً فإنما يعكس مدى تصدع هذا التكتل الآسيوي أو استمراره في سياسة النأي بالنفس عن مشكلات الدول الأعضاء الخاصة، كما أنه يدل من جهة أخرى على مدى حذر وخوف بعض الدول الأعضاء من اتخاذ مواقف قد تغضب الصين، فيرتد عليها ذلك بخسائر اقتصادية.

ومما يجدر بنا ذكره في هذا المقام أن رابطة آسيان الجنوب شرق آسيوية ستحتفل في أغسطس من العام المقبل بالذكرى الستين لتوقيع ميثاقها.. وستكون المناسبة، بلا شك فرصة للاحتفال بستة عقود من التقدم الاقتصادي والتعاون الثقافي والدبلوماسي.

لكنها ستكون في الوقت نفسه لحظة لمواجهة فشل الرابطة في الوفاء بالتزاماتها لجهة تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة من خلال احترام العدالة وسيادة الحق والقانون والالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

ولعله من نافلة القول إن حقيقة كون رابطة آسيان تكتل قائم على التوافق ومبدأ عدم التدخل مصدر ضعفها الرئيسي، وبالتالي عدم وقوفها خلف الفلبين في قضيتها ضد الصين، أسهم في تشجيع بكين على القول بأنها على حق، وأنه حتى شريكات الفلبين لا يعترفون بحقها، الأمر الذي شجعها على مواصلة استغلال الأراضي المتنازع عليها عسكرياً وتنقيبياً دونما رادع، بل وشجع مؤيدوها على ترويج سياساتها الحكيمة على مواقع التواصل.

يعود أصل القضية الخلافية بين مانيلا وبكين إلى العام 2013 حينما طلبت الفلبين في عهد زعيمها السابق المثير للجدل رودريغو دو تيرتي، من محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي البت في الحقوق التاريخية والمطالبات البحرية للفلبين في بحر الصين الجنوبي، وأيضاً البت في مدى قانونية السلوك الصيني في المنطقة.

كان رد فعل بكين هو رفض إرسال ممثلين عنها إلى جلسات التحكيم، بل ورفض قبول الخطابات التي أرسلها قضاة المحكمة إليها، على أن هذا الرفض لم يمنع المحكمة من القيام بمهامها وإجراءاتها القانونية لأن المادة التاسعة من الملحق السابق لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، الذي وقعت الصين عليه، ينص بشكل واضح على أن غياب أحد أطراف النزاع أو امتناعه عن الدفاع عن قضيته لا يشكل عائقاً أمام سير إجراءات التحكيم.

وهكذا قضت المحكمة بتاريخ 12 يوليو 2016، وفقاً للأصول القانونية المتبعة، بأن عدم مشاركة الصين لا يمكن استخدامه للانتقاص من حق الفلبين في التحكيم الدولي، ثم أصدرت حكمها لصالح الفلبين.

والذي تضمن رفض المحكمة لادعاءات الصين بامتلاك حقوق تاريخية للسيطرة على الموارد داخل خط النقاط التسع باعتبار هذا الخط باطلاً لتعارضه مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وإدانة المحكمة تصرفات الصين كونها تنتهك الحقوق السيادية لجمهورية الفلبين داخل منطقتها الاقتصادية الخالصة، بما فيها أعمال التنقيب عن النفط والصيد وإعاقة السفن الفلبينية.

كما حملت المحكمة الصين مسؤولية التسبب في أضرار جسيمة للبيئة البحرية لأنها قامت ببناء الجزر الاصطناعية ومارست أنشطة حصاد الشعاب المرجانية دون وجه حق.