الجهل والجهل المركب

يُذكّرني عنوان هذا المقال بأيام كنا ندرس متن إيساغوجي في علم المنطق، وكان مشايخ الحرم المكّي يومئذ يتوسعون في شرحه، ويذكرون أن من قضايا المنطق الجهل المركب، ذلك أن الجهل نوعان:

جهل مقدور على علاجه، لأن صاحبه يعلم أنه جاهل فيتعلم، وجهل لا يمكن علاجه، لأن صاحبه مصاب بالعمى، فلا يرى نفسه مخطئاً، ومن ثم لا يسعى إلى الإصلاح، ومما حفظناه من مشايخنا في هذا المقام:

قال حمارُ الحكيم يوماً

لو أنصَفوني لكنتُ أركبْ

لأنني جاهلٌ بسيطٌ

وصاحبي جاهل مركّبْ

قد يقول قائل: إن الجهل المركب هو الغرور، لكني أرى أن الجهل المركب أشدّ فتكاً من الغرور، لأن المغرور يدري أنه لا يعلم، لكن تعاليه على الناس يدفعه إلى التمسك بموقفه.

أقول إن الجهل المركب إن لم يكن هو الغرور بعينه إلا أنه يؤدي إلى الغرور، والقاعدة الفقهية تقول: ما أدّى إلى الحرام فهو حرام، وقد سماها الفقهاء بسدّ الذرائع.

ولا يقال بأن الجهل المركب هو «الأنا» الفرويدية، كلّا، فالأنا الفرويدية هي حالة نفسية نجدها في بعض النفوس المتعالية، أمّا الجهل المركب فهو قضية من قضايا المنطق توصف بأنها فلسفية.

والأنا «الفرويدية» أمر نفسي وخلل عقلي يحرم صاحبه من القدرة على التوازن، لذلك فإن الطب الحديث سماه بالانفصام الشخصي الذي له علاقة بالاضطراب العقلي.

ونلاحظ أن كلّاً منهما في حالة دفاع عن النفس، وليس في حالة اكتشاف العيب والسعي إلى إصلاحه، ومن أجمل ما قيل في هذا الباب ما نسب إلى الفراهيدي وهو أن الرجال أربعة:

رجل يدري ويدري أنه يدري، فذلك عالم فاسألوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري، فذلك غافل فنبهوه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري، فذلك جاهل فعلموه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فذلك الأحمق فاجتنبوه.

وأعتقد أن هذا الأخير هو بيت القصيد الذي نحن بصدد إيجاد علاج له، ولن نجده طبعاً، ولا سيما في هذه الأيام التي يدعي الكلّ فيها أنه عالم، والكل يدعي أنه فاضل.

تمنيت لو عاد الزمن الذي كان العالم إذا سئل أجاب بأنّ لا أدري نصف العلم، وقد سأل البدويُّ مالكاً عن أربعين مسألة فأجاب عن أربع، وفي ست وثلاثين قال لا أدري، فقال البدوي: أأقول للناس إن مالكاً يقول لا أدري؟ قال الإمام: نعم، قل لهم مالك يقول لا أدري.