وجهة نظر إيرانية في الفضاء العربي

إلى أي مدى تمثل استضافة القنوات العربية للمحللين الإيرانيين خلال هذه الحرب قيمة مضافة إلى الرأي العام الخليجي والعربي؟ للإجابة عن السؤال يمكن تقسيمها إلى مجموعتين وهي مستخلصة من الشارع العربي ومن خلال التعليقات في وسائل التواصل الاجتماعي التي تمثل مجالاً خصباً لاستطلاعات الرأي العام الخليجي والعربي.

المجموعة الأولى وأظنها الفئة الأقل: ترى في هذه الاستضافة فتح مجال لسماع وجهة النظر الإيرانية من خلال محلليها، ولكن لو توقفنا على كل وجهات النظر الإيرانية الموجودة في القنوات الفضائية العربية سنجد أنها واحدة برغم تنوع القنوات، وجهة نظر مدافعة عن سلوك النظام الإيراني في العدوان على الدول الخليجية والعربية، وادعاءات كاذبة بأن هذا العدوان يستهدف القواعد العسكرية الأمريكية.

لكن السؤال المهم: هل نحن أمام وجهة نظر أو رأي سياسي مختلف يستحق النقاش، أم أمام سردية سياسية دعائية تسعى إلى التأثير في الرأي العام العربي من خلال منصاته الإعلامية؟ في الحقيقة، مشكلة السردية الإيرانية ليست في عدم مصداقيتها فقط، بل في مداخلها العاطفة، فالمتابع للظهور الإعلامي الإيراني يجد أنه لا يعتمد على الحجة، وإنما على إثارة العواطف والمشاعر خصوصاً الدينية، كفلسطين والمقاومة ووحدة المسلمين والجيرة ومواجهة الشياطين.

المجموعة الثانية، وهي الأغلب وربما صاحبة المنطق الأكثر واقعية وأنا واحد من الذين يميلون لها، وهي أن لدينا الكثير من المحللين العرب ممن يدافعون عن وجهة النظر الإيرانية باستماته ولا نحتاج إلى الإيرانيين الذين يمثلون الطرف العدو ضد دول الخليج، وبالتالي فاستضافتهم تمثل حالة من تأكيد المتعاطفين من الرأي العام الخليجي والعربي بل إن وجودهم في قنواتنا واستخدامهم مفردات تدغدغ الشعور الديني يشوش على الرأي العام الخليجي والعربي.

المقصود أن وسائل الإعلام بشكل عام والقنوات التلفزيونية الفضائية التي تجول العالم هي سلاح يفترض أن يستخدم وجهة نظر تعبر عن رأي مستخدمي هذا السلاح، هذا إذا افترضنا أن مساحة انتشارها تتعدى الحدود الخليجية والعربية.

تاريخياً في فترة الحرب الباردة بين المعسكر الغربي الرأسمالي والمعسكر الشرقي الشيوعي كان كل طرف يحظر استضافة من يحملون أو يتبنون وجهة نظر الطرف الآخر، كي لا يشوش على الرأي العام ويؤثر سلبياً فيه، وأعتقد أن العدوان الإيراني ضد دول الخليج، يفرض علينا اتباع السياسة والنهج نفسه، وبالتالي علينا ألا نتسبب في إيذاء أنفسنا بفتح المجال لاستضافة محللين إيرانيين أو من يمثل وجهة النظر الإيرانية، إلا إذا كانت القنوات العربية مخترقة فكرياً وفي هذا مصيبة كبرى.

من الطبيعي، الدول لا تتعامل مع كل الآراء بوصفها متساوية خصوصاً عندما تمس أمنها ومصالحها، بل لابد من وضع قيود على الخطابات والسرديات التي تحمل تهديداً للأمن أو الوحدة الوطنية أو لقيم المجتمع واستقراره.

المؤيدون لاستضافة الإيرانيين على القنوات العربية، يبررون ذلك بأنه يجب علينا سماع وجهة نظرهم لنرد عليهم، لكن في الواقع هل نحن بحاجهة لسماعها؟ حقيقة، نحن نعرف العقلية الإيرانية ومهاراتها في قلب الوقائع وتحوير الحقائق، وقدرتها على المجادلة والمراوغة، إذن لماذا نمنحهم مساحة ومنبراً؟

للرد عليهم يمكننا عرض التصريحات والبيانات الإيرانية وتحليلها وتفنيدها، ويمكن دراسة وتفكيك الرواية الإيرانية من دون تمكينها، ومعرفة ومناقشة الرأي الإيراني من دون منحه شرعية من خلال الظهور على الشاشات العربية.

هناك من يطالب الإعلام العربي ليكون مثالياً، ويفتح منابره ويعطي المساحة لمن يسيئ إلى دوله وقياداته، بل ويؤثر في المجتمع، كل ذلك بحجة الانفتاح وقبول وجهة النظر الأخرى، هنا نقول: لا، لا قبول لوجهات نظر تهدد دولنا ومجتمعاتنا، والمسألة في حقيقتها ليست خوفاً من الرأي الآخر، بل إدراك ووعي وفهم أن الإعلام جزء مهم وضروري للحفاظ على الأمن الوطني.

لنكن صريحين وواضحين، ليس كل حوار تنوير ووعي، وليس كل ضيف إضافة وقيمة، وليس كل وجهة نظر تستحق أن نسمعها أو نناقشها، من وجهة نظري، أن منح السردية الإيرانية مساحة إعلامية ما هي إلا تشويش للرأي العام، وخطأ لا يمكن تبريره بشعار الرأي والرأي الآخر، أو لنسمعهم ونرد عليهم.

ويبقى في الذهن سؤال: هل اخترقت إيران بعض القنوات العربية، أم أن بعض القنوات اخترقت وعيها بنفسها؟