لا يزال مصطلح النينيو غريباً على الأذن، وسبب غرابته أنه جديد على أسماعنا، وإذا كان لنا أن نقدمه للقارئ في تعريف مبسّط، فيمكننا أن نقول إنه نمط مناخي يعبر عن ارتفاعات تصاعدية في درجات الحرارة، أو أنه نمط مناخي طارئ ومخيف.
ويمكننا أيضاً القول إن آحاد الناس لا يهمهم اسم ما يشعرون به في هذا الطقس الخانق، فالأهم أنهم لم يعايشوا درجات حرارة كهذه من قبل، ولا أحسوا بمستويات من الرطوبة الثقيلة كهذه في ما سبق من السنين في الأمد الزمني المنظور.
وقد بلغت ارتفاعات الحرارة والرطوبة حداً جعل شركتين يابانيتين تطرحان ما قيل عنه إنه ثلاجة للبشر، كما أذاعت وكالات الأنباء، أننا نفهم من الخبر المنشور بهذا الشأن، أن الثلاجة البشرية المطروحة، عبارة عن مقصورة مصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وأن الشخص يدخلها بكامل جسده، وأنه يتعرض في داخلها لتيار من الهواء المنعش، وأن التيار يتدفق على رأسه ورقبته وكتفيه وظهره لفترة من خمس إلى عشر دقائق.. ولا مشكلة في الثلاجة البشرية التي طرحتها الشركتان، سوى سعرها، فالخبر المنشور يقول إن السعر يصل إلى تسعة آلاف دولار للثلاجة الواحدة!
أما المناسبة التي تستدعي النينيو وغير النينيو إلى هذه السطور، فهي موجة الحرارة والجفاف الاستثنائية التي تضرب أوروبا منذ بدايات الشهر قبل الماضي، وقد وصلت في حدتها إلى مستويات غير مسبوقة على امتداد القارة، ثم في فرنسا وإسبانيا على وجه التحديد.. وقد عشنا سنين طويلة نعرف أن طقس أوروبا الصيفي ممتاز، وأن القادرين بيننا في جنوب البحر المتوسط، يقصدونها إذا جاء الصيف ليهربوا من حرارة الطقس في بلادنا، وليقضوا وقتاً سعيداً هناك، يستمتعون فيه بالطقس الأوروبي البديع.
عشنا نعرف هذا، ونقرأ عنه من سنة إلى سنة، ونتابع الذين يطيرون إلى أوروبا إذا جاء الصيف، وانفتحت عين شمس الصيف على بلادنا في جنوب البحر.. ولا نزال نذكر رحلات طه حسين، على سبيل المثال، إلى فرنسا في كل صيف، وقد كان لا ينقطع عنها في كل سنة، وكان يكتب فصولاً من كُتبه هناك، ومن بينها مثلاً كتاب «في الصيف»، الذي لما سألوا العقاد عن أهم مؤلفات عميد الأدب العربي في تقديره، أشار إلى كتابين، أحدهما هذا الكتاب.
ولم يكن موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب يجد أفضل من فرنسا في الصيف، وكان إذا أحس بقدوم الحر، أخذ أقرب باخرة إلى هناك، فلا يعود إلا في بدايات الخريف.. وليس طه حسين وعبد الوهاب سوى مثالين اثنين من بين أمثلة كثيرة.
فماذا بالضبط أصاب طقس أوروبا هذه السنة؟، ولماذا وصلت أعداد الذين ماتوا بتأثير الحر من كبار السن والمرضى فيها إلى الآلاف؟، وماذا أصاب فرنسا وإسبانيا تحديداً، بحيث اندلعت فيهما حرائق الغابات، فلم تنطفئ إلا بعد أن أكلت آلاف الهكتارات؟
في منطقة جيروند الفرنسية وحدها، أكلت حرائق الغابات 14 ألف هكتار، وهي مساحة قيل عنها إنها أكبر من مساحة باريس كلها!.. وبخلاف جيروند، حاصرت النيران مناطق واسعة من الغابات في جنوب غربي البلاد.
وفي إسبانيا، ارتفعت ألسنة النار في الغابات إلى عنان السماء، وقالت السلطات إن الحرائق في بعض المناطق يستحيل إطفاؤها، وإنها أتت على مساحات كبيرة للغاية، وكان لا بد من إجلاء عشرات الآلاف من السكان في البلدين الأوروبيين.
المفارقة في الأمر، أن باريس كانت هي التي استضافت مؤتمر المناخ في دورته الأولى عام 2015، وهي التي راحت وقتها تحشد عواصم العالم للمشاركة، لعل تغيرات المناخ المقبلة تكون أقل حدة، ولعل العالم ينجو من عواقب التغيرات، فإذا بتداعيات التغيرات تضرب عاصمة النور بالذات أول ما تضرب!