حينما يتحدث إسرائيليون عن إرهاب المستوطنين

ماذا يعني توقيع 600 مسؤول أمني ودبلوماسي إسرائيلي رفيع المستوى، على عريضة تدعو الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى الضغط على الحكومات الإسرائيلية لوقف عنف وإرهاب المستوطنين في الضفة الغربية.

هذه الدعوة ليست من أجل عيون الفلسطينيين، أو خوفاً عليهم، بل لأنهم يعتقدون أن عنف المستوطنين يهدد أمن إسرائيل والمصالح الأمريكية.

هؤلاء المسؤولون أعضاء في مجموعة تطلق علي نفسها «قادة من أجل أمن إسرائيل»، وهى تضم نحو 600 مسؤول أمني ودبلوماسي متقاعد، من بينهم قيادات كبرى سابقة في الجيش والموساد والشاباك والشرطة، وسفراء وسياسيون كبار.. هؤلاء بدأوا يدقون ناقوس الخطر، خصوصاً بعد أحداث قرية تل، التي وقعت الجمعة قبل الماضي.

من وجهة نظر الفلسطينيين، فهذه أرضهم منذ آلاف السنين، والمستوطنون يرون أن الضفة بكاملها أو «يهودا والسامرا»، حسب التسمية التوراتية، جزء من قلب إسرائيل، في حين أن الأمم المتحدة والقانون الدولي وغالبية دول العالم، ترى الضفة الغربية أرضاً محتلة، وجزءاً من الدولة الفلسطينية، وأن الاستيطان غير قانوني.

حينما يرى 600 من كبار مسؤولي إسرائيل الأمنيين أن ما يفعله المستوطنون يمثل خطراً على أمن إسرائيل ومصالح أمريكا، فالمفترض أن نتوقع كارثة كبرى، لأن معنى ذلك أن جنون التطرف في إسرائيل بلغ مرحلة يصعب تصورها، لدرجة أن كبار المسؤولين الأمنيين السابقين الذين لديهم خبرة كافية بالصراع وبالمنطقة، يخشون على إسرائيل من تطرف المستوطنين، والدليل أن مجموعة قادة «من أجل إسرائيل»، دعوا ترامب إلى منع ما وصفوه بـ«الكارثة»، عبر توجيه رسالة صارمة إلى نتانياهو لوقف هذه الممارسات.

ما يحدث الآن ليس فقط محاولات من التيار اليميني من أجل الفوز في انتخابات 27 أكتوبر المقبلة، ولكن تطبيق رؤى توراتية على حساب الأرض والدم العربي في فلسطين.

لن نتحدث اليوم عن توصيف الفلسطينيين أو العرب لما يحدث في الضفة، أو حتى الإشارة إلى القانون الدولي، وقرارات الشرعية الدولية، بل سنتحدث عن رأي كبار المسؤولين الإسرائيليين السابقين في ما يحدث من إرهاب وعنف المستوطنين في الضفة الغربية.

أحد أبرز هؤلاء، هو موشيه يعلون رئيس الأركان ووزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق، الذي يرى أن ما يفعله المستوطنون في الضفة هو «إرهاب يهودي»، وأنه ليس مجرد أعمال فردية، بل ظاهرة تتسع، وأن «عصابات المستوطنين»، حسب تعبيره، تعمل بحماية من وزراء من اليمين الإسرائيلي داخل الحكومة، يوفرون غطاء رسمياً وسياسياً للمستوطنين.

أهمية ما يقوله يعلون، أنه ليس مصنفاً من اليسار الإسرائيلي، بل هو تاريخياً ينتمي إلى التيار الأمني اليميني، وشغل مناصب رسمية رفيعة، وبالتالي، فرأيه شديد الأهمية، خصوصاً حينما يقول إن «عناصر مسيانية متطرفة تقود الحكومة، كما وصف ما حدث في قطاع غزة على يد حكومة نتانياهو، بأنه يقود إسرائيل إلى الاحتلال والضم والتطهير العرقي».

يصعب وصف ما يحدث في الضفة بأنه مجرد تطرف مجموعة من المستوطنين، لأن الاستيطان يقع في قلب الاستراتيجية الإسرائيلية منذ 1948.

في ظل حكومات حزب العمل المصنف يسارياً ومعتدلاً، فإن أيجال الون كان يقول «يجب أن تكون حدود إسرائيل الأمنية في غور الأردن»، ورئيس الوزراء الأسبق ليفي اشكول كان يتحدث عن ضرورة إيجاد حدود قابلة للدفاع عنها.. وحينما جاءت حكومة اللكيود الأولى، بزعامة مناحم بيجين عام 1977، أصبح الاستيطان قضية قومية ودينية، وليس أمنية فقط.

ورغم توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، فلم يتوقف الاستيطان، وبعد الانتفاضة الثانية عام 2000، برزت فكرة الكتل الاستيطانية الكبرى، ثم الجدار الأمني، وأصرت إسرائيل على ضرورة الاحتفاظ بالمستوطنات الكبرى في أي اتفاق سلام مستقبلي.. لكن ومع مجيء حكومات نتانياهو، فقد صار الشعار «لن نقتلع أي مستوطنة»، ثم تغير إلى «الضفة هي قلب إسرائيل»، وبعدها شعار «علينا فرض سيادة إسرائيل عليها».

والنتيجة أن التقديرات شبه الرسمية، تشير إلى أن هناك 141 مستوطنة رسمية في الضفة، وترتفع إلى 163 إذا تم إضافة مستوطنات القدس الشرقية، إضافة إلى 360 بؤرة، إذا شملت البؤر الزراعية والرعوية يعيش فيها نحو 790 ألف مستوطن.

والآن، فإن ما تفعله حكومة نتانياهو، خصوصاً من الوزيرين ايتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، هو ضرورة تهجير الفلسطينيين من الضفة، ومحاولة تطبيق خطة «الحسم» القديمة، التي يروجها الآن سموتريتش، وتنص على أن أمام الفلسطينيين ثلاثة خيارات، وهى إما القبول بالعيش في كانتونات داخل إسرائيل الكبرى بلا حقوق سياسية، أو الترحيل للخارج، أو القتل لمن يرفض الخيارين الأول والثاني.

هذه هي الصورة على أرض الواقع، ومن الواضح أن أسوأ الكوابيس لم تتحقق بعد.