عندما تنتهي من مرحلة دراسية، غالباً ما سيبارك لك من حولك متمنين لك التوفيق والانتقال للمرحلة التالية، فتنطبع في ذهنك فكرة أن الحصول على الدرجات العليا هو فرض عين لن يسقط عنك، حتى لو قام به غيرك.
دخول مضمار الدراسة الأكاديمية العليا يجب أن يكون مقروناً بالشغف والرغبة في التعلّم. والأهم من ذلك القدرة على التضحية ببعض المتع مقابل الالتزام لتحقيق النتائج. أذكر في حديثي مع إحدى أستاذاتي أثناء دراستي العليا، بأن المجتمعات غالباً ما تقرن إنجازات الشخص وحضوره المجتمعي بشهادته الأكاديمية، لذلك قد يلهث الكثير للحصول على درجة أكاديمية حتى ولو عن طريق شرائها، فقط من أجل إثبات مبدأ «أنا لدي شهادة، إذا أنا موجود».
انتقل الحوار معها إلى أن ابنها ينوي أن يصبح مزارعاً بعد الانتهاء من دراسته الجامعية وحصوله على درجة البكالوريوس. لم أتفاجأ برغبة الابن، بقدر ما أدهشني دعمها لرغبته وعدم جره للحصول على درجات عليا، واحتفاؤها بأن الزراعة وامتهان الشغف، لا يقلان أهمية عن الحصول على شهادة عليا، والتي قد ينتهي بها المطاف معلقة على الحائط.
أوقد حديثي معها في ذهني شعلة، أن الدراسة الأكاديمية العليا ليست المفتاح الوحيد للحصول على احترام الآخرين أو لرفع القيمة، فالبعض يزهر خارج الأسوار الأكاديمية. الحصول على المستوى الأساسي من التعليم مهم، ولكن إلصاق فكرة الحصول على شهادة عليا لكل من ينتهي من مرحلة أكاديمية، قد لا يكون منطقياً أو عادلاً، لأن مثلها مثل أي شيء آخر، فليس هناك شيء واحد يصلح للجميع، بحكم اختلاف قدراتنا ومهاراتنا وأهدافنا التي نود تحقيقها لذواتنا.
ماذا لو أدركنا أن دعوة الآخرين للانتقال للشهادة التالية هو توريط لهم بعدم السماح لهم بالتفكير فيما يودونه لأنفسهم؟ ماذا لو أدركنا أن الحصول على درجات عليا أحياناً قد يمنعنا من الإبداع في المجالات العملية والفنية واليدوية والريادية والتي تعتمد على الخبرة والشغف أكثر من الشهادة؟