من عَرَفَ نفسه عَرَفَ غيره

يظن البعض أن الذكاء الوجداني هو تعلم كيف تكون محبوباً.. غير أنه أعمق وأوسع من ذلك بكثير.. ولحسن الحظ، فإنه أمر يمكن قياسه علمياً، وبدقة مدهشة، رأيناها في ورشنا لتأهيل القيادات وتنمية قدراتها.

هو باختصار محاولة لفهم النفس، وضبط الانفعالات، والتعاطف مع مشاعر الآخرين بحكمة، فالذكي وجدانياً، لديه حاسة الانتباه لمشاعر من حوله قبل أن تستفحل، وكأنها حاسة شم حساسة للغاية.

يظن البعض أنهم يفهمون أنفسهم، ويُمضون جل حياتهم في فهم الآخرين، ثم يكتشفون أنهم في الواقع لم يفهموا ذواتهم جيداً.. وهذا ما نحاول اكتشافه عبر اختبارات الذكاء الوجداني.. فقد يقضي الإنسان سنوات، يظن فيها أنه سريع الغضب في العمل، لكنه في الواقع خائف، إما لضعف خبرته أمام مسؤولياته الجسام، أو لأنه لا يبذل الحد الأدنى من الاستعداد لكل مهمة، فلا يقرأ جيداً، ولا يدرك التعليمات الشفهية... وهكذا، وقد يعتقد أنه كسول، لكنه في الحقيقة يُسَوِّف خشية الفشل، وهناك من يعتقد واهماً أنه يحب العزلة، ثم يستوعب متأخراً أنه لم يكن يكره الناس، بل كان يخشى ألا يحظى بينهم بالقبول.

ولذلك يقوم علم الذكاء الوجداني على خمسة مرتكزات: أولها الوعي الذاتي، أي معرفة حقيقة ما يجري داخلنا.. فهناك من يغضب من زميله، ثم يكتشف أن سبب غضبه لا يعدو سوى أنه لم يستعد جيداً للاجتماع..! بعضهم تنتابه مشاعر غير مريحة في الحوار، ثم يكتشف أنه كان يلتمس التقدير ممن حوله.. يظن أن التقدير ينبع من الخارج، لكنه في الواقع ينبع من داخل الإنسان.. بعض الناس يكتشف في مراحل متأخرة من عمره، أنه لا يحب أن يعارضه أحد، ربما بسبب تنشئته أو خبراته السابقة.. وربما يكرر البعض أنه لا يأبه بآراء الآخرين.. لكننا نراه ينزعج بشدة من أي تعليق عابر في وسائل التواصل.

أما الثانية، فهي إدارة الذات، أي التحكم في استجابتنا، لا في مشاعرنا فحسب.. على سبيل المثال، هناك من يدير ذاته بتصرفات بسيطة، تحمي سمعته ورزانته، مثل تأجيل اتخاذ قرار جوهري ليوم واحد، إذا ما شعر بالتوتر أو الإرهاق، وقد يعترف بسرعة بالخطأ أمام الجميع، ليحفظ كرامته، وليوقف محاولات اصطياده في الماء العكر، حتى لا يُكابِر وتأخذه العزة بالإثم.

أما الثالثة، فهي التعاطف «empathy»، أي محاولة رؤية الموقف من نافذة الآخرين، كأن نضع أنفسنا مكانهم، منها مثلاً استبدال سيل النصائح، بمنح المتحدث آذاناً مصغية، والتعاطف يأتي أيضاً بإحسان الظن بردود أفعال الناس السلبية أو القاسية، فلعله كان يمر بظروف صعبة في ذلك اليوم.

الوعي الاجتماعي هو المرتكز الرابع، ويعني مهارة ملاحظة ما يدور حولنا من مشاعر، قبل أن يقع الفعل، مثل تغير نبرة صوت، أو تصاعد حدة التنفس، وهو ما ينم عن حالة غضب عنيفة، ستجتاح المتحدث بعد قليل، قد يحدث ذلك عبر الهاتف، فالواعي اجتماعياً، يعلم أن أمراً ما سيحدث، ولا بد من تداركه، فتجده يحول بعفوية ورشاقة النقاش نحو أمور أقل حدة وإثارة للخلاف، ولذلك نجد أن خلافات هؤلاء في اللقاءات والاجتماعات، أقل وطأة ممن دونهم في الذكاء الاجتماعي، لأنهم يلاحظون ما لا يلاحظه غيرهم.

أما الخامسة، فهي إدارة العلاقات، وتعني تحويل فهمنا للمشاعر إلى علاقة أفضل، هذا هو الهدف الأسمى، مثل الالتزام بنقد الفكرة، وعدم التجريح بصاحبها، أو تجنب الانتصار في النقاش، حفاظاً على العلاقة... وهكذا، والإشادة في موضعها، وتخفيف حدة النقد عند الحاجة.

والأهم من ذلك، أن الذكاء الوجداني مهارة يمكن تعلمها وتنميتها، ففهم الآخرين قد يبدو سهلاً، لكنه لا يقل صعوبة عن فهم دواخل النفس البشرية، ولذلك، كلما خضع الفرد لاختبارات علمية في فهم جوانب عدة من شخصيته، وأصغى جيداً لملاحظات العاملين معه ومستشاريه، كان أقدر على تطوير مهارة الوعي الذاتي، ومن عرف نفسه، كان أقدر على فهم غيره.