الغذاء الملون دواءً.. «صبغ للآكلين»

شاءت حكمة الله سبحانه وتعالى أن تتنوع ألوان النباتات وأزهارها وثمارها بشكل مذهل في الطبيعة، حيث نجد الأخضر يكسو الأوراق، بينما تتلون الأزهار بأصباغ زاهية مثل الأحمر، والأصفر، والأزرق، والبنفسجي، والأرجواني، وغيرها.

إن هذا التنوع في الأصباغ ليس جمالياً فقط، بل له وظائف حيوية وبيئية مهمة؛ فبعض الأزهار تستخدم ألوانها الزاهية لجذب الحشرات والطيور الملقحة، بينما تساعد ألوان الثمار الناضجة في جذب الحيوانات لنشر بذورها، كما تعكس الألوان المختلفة للثمار والأوراق والأزهار وجود مركبات نباتية متنوعة، تحمل فوائد صحية للإنسان.

إن دور الأصباغ الطبيعية في الأغذية -والتي تضفي على الغذاء لونه وفي بعض الأحيان يكون دليلاً على نضج الفاكهة أو الخضراوات- وأثرها على الصحة أمر نبهنا إليه القرآن، بل حثنا على دراسته وسبر أغواره. فنرى الله سبحانه وتعالى في سورة «المؤمنون» وهو يتحدث عن الزيتون فيقول عزّ من قائل: «وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ»، فالزيتون يصطبغ بألوان مختلفة. وحينما تحدّث الخالق، عز وجل، عن العسل في سورة «النحل» أشار إلى أهمية اختلاف ألوانه، فقال، عزّ من قائل: «... يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» ليشد انتباهنا إلى أهمية وضرورة البحث عن كنه الطاقة الشفائية في العسل وهل هي في العسل نفسه أم في اختلاف ألوانه، وبالتالي هل هناك علاقة بين لون العسل والمرض الذي سيعالجه؟

ولأهمية الأصباغ والألوان نرى الله، سبحانه وتعالى، يُذكّرنا باختلاف الألوان والأشكال والمذاق في النباتات المزروعة على أرض متجاورة، ترابها واحد ويُسقى بماء واحد وطقس ومناخ واحد، حين يستعرض عظمته وعلمه وقدرته حين خلق الجينات كلها من خمس لبنات تعرف بالنيوكليوتيدات وتحمل كل الاختلافات الموجودة في المخلوقات، فيقول، عزّ من قائل: «وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» فالنخيل والأعناب مختلفة الألوان والطعم بناء على اختلاف جيناتها. مؤكداً سبحانه أن فهم الاختلاف يحتاج إلى عقل عالم بصير يستطيع فهم العلاقات وربط النتائج بالمسببات والداء بالدواء.

وحينما نتحدث عن العلاقة بين المرض واللون، يجدر بنا أن نشير إلى الطب الصيني التقليدي الذي يعتمد في التشخيص والعلاج على العناصر الخمسة وما يقابلها من الأعضاء والألوان، عنصر الخشب وتقابله الكبد ولونها الأخضر، النار ويقابلها القلب ولونه الأحمر، الأرض وتقابلها المرارة ولونها الأصفر، المعدن وتقابله الرئتان ولونهما الأبيض، الماء وتقابله الكليتان ولونهما الأسود. ويرى الطب الصيني أن الغذاء الأخضر على سبيل المثال يفيد الكبد، والأحمر يفيد القلب مع الأخذ بعين الاعتبار المؤثرات الأخرى من الطعم والحرارة.

علمياً يعزى لون الغذاء من فاكهة أو خضراوات إلى مجموعة المركبات الكيميائية التي تعرف بالأنثوسيانينات (Anthocyanins)، وحرفياً تعني الوردة الزرقاء وهي مركبات طبيعية اكتشف منها حتى الآن 900 مركب تنتمي إلى 32 مجموعة، وتعد من الأصباغ النباتية الذائبة في الماء، المسؤولة عن الألوان الحمراء والبنفسجية والزرقاء في العديد من الفواكه والخضراوات والأزهار وتتوافر بكثرة في نباتات وثمار نباتات دولة الإمارات كالكباث «ثمار شجرة الأراك -وموسمها الآن في فصل الصيف- التي كان الرسول، صلى الله عليه وسلم، يأكل منها وينصح أصحابه أن يأكلوا الأسود منها»، الرطب والتمر، خاصة ما كان أحمر أو أسود أو بنفسجياً، التوت، العنب الأحمر والأسود، الرمان، الملفوف الأحمر، الزام، الباذنجان، بالإضافة إلى أنواع من العسل المنتج محلياً.

تتميز الأنثوسيانينات ببنيتها الكيميائية الغنية بمجموعات الهيدروكسيل، ما يمنحها خصائص قوية مضادة للأكسدة. بعد تناولها يتم امتصاصها جزئياً في الجهاز الهضمي، بينما يخضع معظمها لعمليات استقلاب بواسطة بكتيريا الأمعاء، منتجة مستقلبات نشطة تسهم في تعزيز تأثيراتها البيولوجية، رغم محدودية توافرها الحيوي.

تشير الدراسات السريرية والمراجعات المنهجية إلى أن الأنثوسيانينات تمتلك خصائص قوية مضادة للأكسدة ومضادة للالتهاب، وتسهم في الوقاية من العديد من الأمراض المزمنة. فقد ارتبط استهلاكها بتحسين دهون الدم، وخفض مستويات الكوليسترول الضار (LDL)، وتحسين وظيفة بطانة الأوعية الدموية، ما يقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، كما أظهرت الأدلة العلمية دوراً محتملاً للأنثوسيانينات في تحكم أفضل في سكر الدم وتقليل مخاطر الإصابة بداء السكري من النوع الثاني، إضافة إلى تأثيرات وقائية ضد بعض أنواع السرطان والأمراض العصبية المرتبطة بالإجهاد التأكسدي والتقدم في العمر.

ختاماً يُعد تحقيق التوازن في تناول الأغذية، مع التنويع في اختيار الأطعمة الملونة، خطوة أساسية نحو حياة صحية ومستدامة. إذ إن الأطعمة الطبيعية الملونة – من الخضراوات والفواكه – تزود الجسم بمجموعة واسعة من الفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة التي تسهم في دعم جهاز المناعة، وتعزيز وظائف الأعضاء، والوقاية من العديد من الأمراض. لذلك من المهم الحرص على إدراج مختلف الألوان الغذائية ضمن الوجبات اليومية، مع الاعتدال في الكميات، بما يضمن تلبية احتياجات الجسم مع الحفاظ على الصحة والعافية. وأنت تأكل الغذاء الملون بيد القدرة الإلهية، تذكر فوائده الصحية واحمد الخالق وسبح بحمده.