من الذئب المنفرد إلى «القطيع المنفرد».. قراءة في معركة الوعي في العصر الرقمي

لم تعد التهديدات الأمنية الكبرى تُقاس فقط بما يظهر على الخرائط أو يُرصد في الميدان، أو تلك التي تتحرك في تشكيلات عسكرية، بل كذلك بما يتشكل بصمت داخل العقول قبل أن يتحول إلى فعل.

ففي العصر الرقمي، لم تعد الخوارزميات مجرد أدوات تقنية لتنظيم المحتوى، بل أصبحت جزءاً من البيئة التي تُصاغ فيها القناعات وتُعاد فيها هندسة الإدراك. ومن هنا لم يعد السؤال: من يملك القوة؟ بل أصبح: من يملك القدرة على تشكيل ما يراه الناس، وما يصدقونه، وما يتصرفون على أساسه؟

استقر في الأدبيات الأمنية منذ سنوات مصطلح «الذئب المنفرد»، غير أن عدداً من الباحثين البارزين، من بينهم بارت شورمان وزملاؤه، دعوا إلى التحول نحو مصطلح «الفاعل الفردي»؛ لأن التعبير الأول يوحي بعزلة ودهاء لا يعكسان بالضرورة واقع كثير من المنفذين، الذين تكشف مساراتهم عن ارتباطات مباشرة أو غير مباشرة ببيئات رقمية وغير رقمية غذّت قناعاتهم.

وهذا التحول ليس مجرد تعديل اصطلاحي، بل يعكس تطوراً في فهم طبيعة التهديد؛ فالعزلة التنظيمية لا تعني بالضرورة العزلة الفكرية، ولا تعني أن الأفكار تتشكل خارج سياقات التأثير والتوجيه.

وأذهب هنا خطوة أبعد بطرح تحليلي أراه ضرورياً لفهم المرحلة؛ فالفاعل الفردي اليوم قد لا يكون فرداً منعزلاً بالمعنى الكامل، بل عضواً فيما يمكن تسميته «قطيعاً منفرداً»؛ أي في ظاهرة لا تحتاج فيها الجماعة إلى اجتماع مكاني أو قيادة ظاهرة.

ويقصد بالقطيع المنفرد، في هذا السياق، نمط من التأثير الجماعي غير المباشر، تتشكل فيه قناعات أفراد متفرقين مكانياً داخل بيئة رقمية مشتركة، من دون وجود تنظيم هرمي أو قيادة مباشرة، ولكن تحت تأثير سرديات وآليات توصية متقاربة.

ويكفي أن يجتمع هؤلاء الأفراد داخل فضاء رقمي واحد، تسهم في تشكيله منظومات خوارزمية، إلى جانب أنماط تفاعل المستخدمين، فتؤثر فيما يبرز وما يتراجع، وما يتكرر حتى يكتسب مظهر الحقيقة أو الإجماع.

وهنا لا تقود الخوارزمية الإنسان بصورة مباشرة، لكنها قد تعيد تشكيل بيئة الإدراك التي تتكون داخلها قناعاته، حتى يظن أنه وصل إلى موقفه باستقلالية كاملة، في حين كانت رحلته المعرفية تُوجَّه بصمت، خطوة بعد أخرى.

وتفسر هذه القراءة ما تكشفه تقارير مكافحة التطرف الحديثة من أن مسارات التطرف أصبحت أكثر سرعة ولامركزية، وأن التعرض المتكرر لمحتوى متجانس داخل غرف «الصدى الرقمية» قد يعزز القابلية لتبني أفكار متطرفة لدى بعض الأفراد، خاصة عندما يقترن بعوامل نفسية أو اجتماعية أو أيديولوجية أخرى.

لذلك لم يعد الانتقال من التعاطف مع الفكرة إلى الاستعداد لترجمتها سلوكاً يعتمد فقط على وجود مجنّد بشري أو تنظيم هرمي، بل قد يتسارع داخل منظومات رقمية تعيد إنتاج الرسائل ذاتها، وتمنحها مظهر الإجماع واليقين.

ومن هنا تبرز خطورة ما يمكن تسميته بالاستعمار الإدراكي؛ أي السعي إلى التأثير في البيئة التي تتشكل فيها القناعات والقرارات، في حين تمثل الهندسة الإدراكية إحدى الآليات التي يُعاد من خلالها ترتيب المعلومات وأولويات الانتباه بما يؤثر في إدراك الأفراد لما هو مهم أو صحيح أو متكرر. فالإنسان قد يقاوم المحتل، لكنه نادراً ما يقاوم فكرة يظن أنها وُلدت من قناعته الشخصية.

إن هذا التحول يفرض مراجعة جوهرية لسياسات الوقاية. فرصد الأفراد بعد وصولهم إلى مرحلة الخطر لم يعد كافياً، لأن المعركة الحقيقية تبدأ عند تشكل المعنى، وقبل أن يتحول إلى موقف أو سلوك.

ومن ثم، فإن الاستثمار في الأمن الفكري لم يعد خياراً ثقافياً أو نشاطاً توعوياً مكمّلاً، بل أصبح ركيزة استراتيجية موازية للأمن السيبراني، وكلاهما يشكل اليوم جزءاً من منظومة الأمن الوطني الشامل.

وتستدعي مواجهة هذا النمط من التهديد استراتيجية متعددة الأبعاد. أولها، بناء السيادة الإدراكية عبر تعزيز التفكير النقدي، والتربية الإعلامية والرقمية، وتمكين الفرد من التحقق قبل التفاعل.

وثانيها، الانتقال من الأمن التفاعلي إلى الأمن الاستباقي، عبر توظيف الذكاء الاصطناعي وتحليل المصادر المفتوحة لرصد المؤشرات المبكرة لعمليات التأثير المنظم، مع الالتزام بالأطر القانونية والأخلاقية.

وثالثها، بناء شراكة تشغيلية مستدامة بين المؤسسات الأمنية، ومراكز الفكر، وشركات التقنية، بحيث تتحول العلاقة بينها من تبادل المعلومات إلى إنتاج معرفة مشتركة قادرة على فهم البيئة الرقمية والتعامل مع تعقيداتها.

وأما البعد الرابع، فهو ترسيخ الهوية الوطنية الجامعة باعتبارها خط الدفاع الأول، لأن المجتمع الواثق من قيمه والمنفتح في وعيه أقل قابلية للاختراق الإدراكي من مجتمع مضطرب في تعريف ذاته.

ولأن هذا التحول لا يمكن التعامل معه بالأدوات التقليدية وحدها، فقد برزت تجارب وطنية سعت إلى الجمع بين الوقاية الفكرية، والعمل الرقمي، والتعاون الدولي ضمن إطار مؤسسي متكامل. وفي هذا السياق، تقدم دولة الإمارات نموذجاً مؤسسياً متقدماً يجمع بين الوقاية الفكرية والعمل الرقمي والتعاون الدولي.

فمركز هداية يمثل منصة دولية متخصصة في بناء القدرات وإنتاج المعرفة في مجال مكافحة التطرف العنيف، في حين يجسد مركز صواب نموذجاً للمواجهة الرقمية للخطابات المتطرفة عبر تقديم سرديات بديلة في الفضاء الإلكتروني.

وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها لا تقتصر على الاستجابة للتهديد بعد ظهوره، بل تسعى إلى تحصين البيئة الإدراكية التي يتشكل فيها الوعي العام، وهو ما يعكس فهماً متقدماً لطبيعة الصراع في العصر الرقمي.

لقد كانت الدول تقيس سيادتها تاريخياً بحدودها البرية والبحرية والجوية، أما اليوم فقد أضيف إليها حد رابع لا يقل حساسية وخطورة: حد الوعي. فإذا نجح خصمك في التأثير على ما يراه مجتمعك، وما يصدقه، وما يشك فيه، فقد أصبح قادراً على التأثير في تماسكه الداخلي قبل أن يقترب من حدوده الجغرافية.

ومن هنا لم يعد الأمن الفكري برنامجاً توعوياً هامشياً، بل ركيزة من ركائز الأمن الوطني بمعناه الشامل، وجزء من مفهوم سيادة الدولة الوطنية في القرن الـ 21.

في النهاية، لم تعد السيادة تُقاس فقط بسلامة الحدود، بل بقدرة المجتمع على حماية وعيه من التوجيه الخفي وإعادة التشكيل الصامت.

فالمعركة المقبلة لن تكون بين من يملك السلاح ومن لا يملكه، بل بين من يملك مناعة فكرية ومعرفية ومن تُدار عقولهم من الخارج. ومن يربح معركة الوعي اليوم، قد لا يحتاج إلى خوض معركة الغد.