ويبدو أن تلك الصيغة، التي أرساها قادة البلدين التاريخيون مستمرة اليوم في ظل القادة الجدد الحاليين الذين يمثلهم اليوم في جاكرتا الرئيس برابوو سوبيانتو، وفي سنغافورة رئيس الحكومة لورانس وونغ.
اللذان عقدا أخيراً قمة في جاكرتا، شدت أنظار المراقبين بسبب انعقادها في وقت يمر فيه العالم والإقليم بتحولات وتوترات وحالة من عدم اليقين، خصوصاً مع الصراع الدائر حالياً بين الولايات المتحدة وإيران حول مضيق هرمز، وهو صراع ولد قلقاً في سنغافورة وجاكرتا حيال مستقبل مضيق ملقا الاستراتيجي والحيوي لتجارة البلدين.
من هذه الخلافات أولاً الهواجس والشكوك السنغافورية حول النزعة القومية المتزايدة في إندونيسيا لجهة السيطرة على الموارد وطرق توجيهها وإدارتها، ومنها ثانياً المنافسة المحتدمة بين الصندوق السيادي الإندونيسي المعروف باسم «داننتارا»، وصندوقي السيادة السنغافوريين «تيماسيك» و«جي آي سي» حول الاستثمارات والاستحواذات.
ومنها ثالثاً تردد جاكرتا في تصدير رمال البحر والرواسب إلى سنغافورة لمساعدة الأخيرة على استصلاح أراضيها، وهو ما تنظر إليه الحكومة السنغافورية على أنه موقف غير ودي يعوق توسعها العمراني، ومنها رابعاً شكوى إندونيسيا من أن سنغافورة تتعامل معها على أنها مجرد مصدر للمواد الخام الرخيصة، وليست عملاقاً اقتصادياً لا يمكن تجاهله.
وهي في الوقت نفسه بحاجة إلى ضمانات لاستقرار سلاسل التوريد (الزراعية والغذائية تحديداً)، وإلى الأسواق الإندونيسية الواسعة لتسويق منتجاتها المالية والتكنولوجية.
وفي مجالات البنية التحتية الرقمية وشبكات الكهرباء العابرة للحدود وتكنولوجيات الطاقة النظيفة. كما أنهم ينظرون إلى سنغافورة بصفتها مصدراً لاستثمارات بمليارات الدولارات، في حين تريد سنغافورة ضمانات قانونية بألا تتأثر استثماراتها بتقلبات الداخل الإندونيسي.. وباختصار شديد هناك اعتماد متبادل غير متكافئ بين البلدين.
وبالمثل فإن إندونيسيا تحاول موازنة نفوذ بكين الاقتصادي الهائل بعلاقات دفاعية متينة مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين.. غير أن نقطة الخلاف هنا تكمن في مخاوف سنغافورة من أن تنجرف إندونيسيا بشكل مفرط إلى فلك بكين الاقتصادي.
فيختل التوازن الأمني في بحر الصين الجنوبي ومضيق ملقا، وهذه المخاوف تقابلها مخاوف في جاكرتا من اندفاع سنغافورة في المخططات الأمنية الأمريكية بصورة تثير التنين الصيني وتستفزه أو تقوض وحدة منظومة «آسيان».