في صباح السادس من أغسطس عام 1945، وعند نحو الثامنة والربع، امتلأ أفق مدينة هيروشيما فجأة بوميض أبيض هائل، ضوء ساطع لم يرَ مثله الطبيب الياباني ميشيهيكو هاتشيا من قبل حتى خُيِّل إليه أن الشمس انفجرت أمام عينيه.
قبل تلك اللحظة بقليل، كان يستعد ليوم عمل اعتيادي في مستشفى الاتصالات بالمدينة. لم يكن في هيروشيما ما يوحي بأن التاريخ يقف على حافة لحظة فاصلة؛ الناس يمضون إلى أعمالهم، والأطفال إلى مدارسهم، والمدينة تسير في إيقاعها المعتاد.
كتب هاتشيا في مذكراته أن الوميض تبعته لحظة صمت قصيرة، ثم اندفعت موجة عاتية حطمت الجدران والنوافذ، وقذفته تحت الأنقاض، وحين خرج لم يجد المدينة التي عرفها قبل دقائق؛ رأى الناس يسيرون في صمت ثقيل كأن الصدمة سلبت المدينة صوتها، وجوه متورمة، وثياب ممزقة، وأذرع تتدلى منها جلود محترقة كأنها قطع قماش.
بعد ثلاثة أيام تكرر المشهد في ناغازاكي، وكأن التاريخ يدفع اليابان كلها إلى منعطف لم تعرف مثله من قبل. كانت الضربة مدمرة؛ مدينتان أُصيبتا في صميمهما، وخسائر بشرية هائلة، وبلاد تواجه مستقبلاً غامضاً بعد حرب قاسية، غير أن تلك اللحظة لم تكن هي الحكاية، بل نهايتها:
فاليابان كانت قد سلكت قبل ذلك طريقاً طويلاً من النزعة الإمبراطورية، وهاجمت بيرل هاربر، وخاضت حرباً عالمية دفعت ثمنها، ودفع العالم معها أثماناً باهظة، وحين بلغت ذلك المنعطف الحاد أعادت النظر في كل شيء.
أدركت أن المشكلة لم تكن في المنعطف، بل في الطريق الذي قاد إليه، فبدأت تبحث عن طريق آخر، فتحولت طموحاتها من ميادين الحرب إلى ميادين الاقتصاد والعلم والصناعة، ومن سباق التسلح إلى سباق التنافسية، ومن البحث عن النفوذ بالقوة إلى البحث عن المكانة بالإنجاز. ولم تمضِ سنوات طويلة حتى أصبحت واحدة من أكبر القوى الاقتصادية والصناعية في العالم.
ولعل أعظم ما تكشفه الحروب أنها ليست نهاية الطريق، بل بداية السؤال عن المسار الذي يجب أن تسلكه الأمم بعدها، فالحضارات لا تُبنى بما تخلفه الحروب في الميدان، وإنما بقدرتها على تحويل المنعطفات القاسية إلى بدايات جديدة، يكون الإنسان فيها غاية، والسلام قيمة، والتعايش ثقافة، لا استراحة بين حربين.
هكذا تمضي الأمم، ويمضي الناس كذلك، فالمنعطفات الحادة لا تغيّر المصائر، وإنما تكشف الطريق الذي نسلكه، وما النهايات إلا امتداد طبيعي للبدايات، والمسارات العوجاء لا تفضي إلا إلى نهايات عرجاء.