قبل أن تشرق على هذه الأرض شمس نهضتها الحديثة، كانت الرمال تحفظ سرها، وكانت الريح تروي حكايات رجال آمنوا بأن المستحيل ليس إلا كلمة تعجز عن فهم إرادة المؤمنين.
كانت هذه الأرض الطيبة، على امتداد صحرائها، تخفي في كل ذرة من رمالها سلالة من الذهب، لا تقاس بقيمة المعدن، بل بقيمة الإنسان. فإذا تسللت تلك الرمال إلى روحك، شعرت وكأنك تمشي على قطعة من الجنة، وإن بدت للناظرين صحراء قاحلة. وكان قدر هذه الصحراء، بفضل الله سبحانه وتعالى، أن تتحول إلى جنة على الأرض، وإلى وطن تشير إليه القلوب قبل الأبصار.
وفي الوقت الذي كانت فيه التحديات تزحف من كل اتجاه، وتظن أن بإمكانها أن تثقل خطى الحلم، امتدت يد مباركة... يد كانت ترى بنور الله ما لا يراه غيرها، وتقرأ المستقبل بعين الحكمة والإيمان. كانت يد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه. لم يخطّ تلك الوثيقة بالحبر وحده، بل خطها أيضاً بالإيمان، وباليقين، وبحب وطن لم يكن يريد له أن يكون مجرد وطن، بل رسالة للعالم بأسره.
وفي الثامن عشر من يوليو عام 1971 لم يكن التوقيع على وثيقة الاتحاد مجرد حدث سياسي، بل كان ميلاد تاريخ جديد، ولحظة خرجت فيها الإمارات من صفحات الأمنيات إلى صفحات الخلود. يوم اجتمع فيه الشيخ زايد، طيب الله ثراه، وإخوانه حكام الإمارات، فوحدوا القلوب قبل الحدود، وأقاموا بنيان دولة أصبحت اليوم شاهداً على أن الأحلام العظيمة تبدأ بإيمان عظيم.
وفي الثامن عشر من يوليو من كل عام نحيي يوم عهد الاتحاد؛ لنستذكر باعتزاز وافتخار تاريخاً مجيداً، ولنجدد أيضاً عهد الوفاء للوطن، والسير على نهج الآباء المؤسسين، الذين بدأوا الحلم بخط على ورقة، فصار وطناً يكتب التاريخ كل يوم.
فهنا لم يولد وطن فحسب، بل ولدت أيضاً حضارة. وهنا لم تكتب وثيقة اتحاد فقط، بل كتب أيضاً مستقبل أمة ستظل، بإذن الله، تروي للعالم أن مسيرة الأوطان العظيمة تبدأ بحلم قائد عظيم، وتخلد بإخلاص شعب وفي راسخ الانتماء للوطن والولاء للقيادة الرشيدة.
يا مَن تربكهم الخطط، وتثقلهم الدراسات، وترهقهم الأبحاث، وتتداخل أمامهم الاستراتيجيات، وتتزاحم في عقولهم البيانات، ويظنون أن الذكاء الاصطناعي هو آخر ما بلغته الإنسانية من إدراك... الإمارات وطن لم تنشئه كثرة الأوراق، ولا أكوام النظريات، ولا تعقيد المعادلات؛ بل صنعته رؤية سبقت زمانها، وإرادة آمنت بأن ما يراه الآخرون مستحيلاً، تراه العزيمة بداية لطريق المجد والسؤدد والعطاء والنماء والاستقرار والازدهار. إنها حضارة غرست جذورها في الأرض، ومدت خيوط رؤيتها إلى السماء، فلا تعيقها التحديات، ولا تؤخرها العقبات.
حضارة رسمت أولاً على رمال الصحراء، قبل أن ترسم على الخرائط، وكتبت في ضمير الرجال، قبل أن تكتب في صفحات التاريخ، ثم ارتفعت حتى أصبحت ترسم في السماء، ويقتدى بها في الأرض.
فإذا عجزت النظريات عن تفسير ما حدث... تكلمت الإمارات.