ومن هذا المدخل تنطلق الرواية لتعيد قراءة واحدة من أكثر لحظات دمشق حساسية ودموية، مذبحة عام 1860 التي عُرفت شعبياً بطوشة النصارى ووقعت أحداثها في حي باب توما المسيحي، لكنها لا تقدّم الحدث بوصفه مادة تاريخية صلبة، بل بوصفه سؤالاً مفتوحاً حول من يملك حق رواية التاريخ، ومن يُمحى اسمه من صفحاته، ومن يبقى صوته عالقاً في الهوامش.
الأحجار البازلتية والرخام الأبيض وجدران القاشاني والنوافير في الديار وغرف الظلال وسيمفونية الملابس من الحرير والكتان والدانتيل. وتبلغ الصورة ذروتها في قصر أنطون شامية في باب توما، ذلك البناء المهيب الذي تتداخل فيه الأقواس والبحرات والظلال.
فيتحول إلى مسرح بصري يختزن ذاكرة دمشق الاجتماعية، ويكشف عبر تفاصيله الدقيقة عن عالم كامل من الطبقات والعلاقات والطقوس التي تحكم حياة المدينة في منتصف القرن التاسع عشر.
وهنا تبدأ الرواية في تفكيك العلاقة بين الشرق والغرب، بين من يروي ومن يُروى عنه، وبين من يملك اللغة ومن يُختزل وجوده في الهامش.
وتتحول إلى عين ترى ما لا يراه الرحّالة، وأذن تلتقط ما لا تلتقطه الوثيقة الرسمية، لكنها تُفاجأ بأن الكتاب الذي أسهمت في صنعه يصدر دون أن يُذكر اسمها. هذا المحو ليس حدثاً عابراً، بل جوهر الرواية وسؤالها المركزي: أين يذهب صوت المرأة حين تُكتب الحكاية؟
وكيف يتحول جهدها إلى ظل في نص يوقعه رجل يمتلك سلطة الورق والحبر؟ تمنح الشكر لقمّور ما لم يمنحه لها التاريخ، فتجعلها مركز السرد وصاحبة الذاكرة التي لم تُسمع، وتعيد الاعتبار لدورها بوصفها شاهدة ومؤرخة من موقعها المتواضع.
لكنها تكشف آليات الكتابة الاستشراقية التي تتخفّى خلف حيادٍ زائف، وتعيد طرح السؤال حول من يملك حق رواية تاريخ المدن والناس، وكيف تتحول الحقيقة إلى بناء لغوي يخضع لسلطة من يكتبه.
زينة ليست مجرد وسيط بين الماضي والحاضر، بل مرآة تعكس استمرار الأسئلة نفسها: من يكتب التاريخ؟ ومن يملك الحق في استعادته؟ وكيف يمكن لامرأة معاصرة أن تعيد قراءة مأساة قديمة لتفهم حاضرها الممزق؟
وفي النهاية، تبدو «أين اسمي؟» رواية لا تبحث عن الماضي بقدر ما تبحث عن طريقة كتابته، وعن الأصوات التي جرى إسكاتها، وعن الأسماء التي سقطت من الهوامش. إنها عمل يعيد الاعتبار للذاكرة النسائية، ويذكّر بأن التاريخ ليس ما حدث، بل ما كُتب عمّا حدث، ومن كتبه، ولأية غاية.
