18 يوليو.. عهد الاتحاد وتراث الوطن

في الثامن عشر من يوليو من كل عام، تستعيد الذاكرة الإماراتية لحظة سياسية وتاريخية صنعت مسار وطن كامل.. ففي ذلك اليوم من عام 1971، اجتمع الآباء المؤسسون حول فكرة تجاوزت حدود الاتفاق السياسي.

ووضعت الأساس لدولة حملت منذ لحظتها الأولى مشروعاً إنسانياً وتنموياً بالغ الطموح. كان ذلك الاجتماع إعلاناً عن ميلاد إرادة اتحادية جمعت بيئات البحر والصحراء والجبل، وصهرت تعددها الاجتماعي والثقافي داخل هوية وطنية واحدة، لتبدأ الإمارات رحلتها من العهد إلى الإنجاز، ومن الوعد إلى بناء دولة أصبحت اليوم نموذجاً عالمياً في الاستقرار والازدهار.

ومن منظور علم الاجتماع، يحمل يوم الثامن عشر من يوليو قيمة تتجاوز الوثيقة الدستورية والتأسيس القانوني، لأنه أسس لعقد أخلاقي بين القيادة والشعب..

فقد أدرك المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وإخوانه حكام الإمارات، أن ديمومة الاتحاد ترتبط بقدرته على الدخول إلى وجدان الناس، وأن قوة الدولة تنمو من الثقة والعدالة وتكافؤ الفرص والشعور المشترك بالمصير..

وهكذا أصبح الاتحاد جزءاً من التكوين النفسي والاجتماعي للإماراتيين، وتحول الولاء إلى علاقة يومية تتجسد في العمل والتعاون وصيانة المكتسبات وخدمة الوطن.

وقد حمل الشيخ زايد فلسفة عميقة للعهد، قوامها أن الكلمة مسؤولية، والوعد مشروع حياة، والقيادة التزام متواصل تجاه الإنسان.. ومن هذا الفكر جاءت رؤيته الشهيرة حول ثروة الرجال، فكانت التنمية الإماراتية منذ بداياتها استثماراً في التعليم والصحة والمعرفة وتمكين المرأة والشباب.. لقد بدأ بناء الدولة من العقل والضمير ثم امتد إلى المدن والمؤسسات والاقتصاد، فأصبح الإنسان الإماراتي المحور الذي تدور حوله خطط الحاضر ورؤى المستقبل.

وسار المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، في الاتجاه نفسه، مؤمناً بأن قوة الاتحاد تنبع من رخاء شعبه وتماسك نسيجه الاجتماعي..

وقد جمع فكره بين التنمية الاقتصادية والاستقرار المجتمعي، وربط المشروعات الكبرى بحياة الناس واحتياجاتهم وطموحاتهم.. ومن تلاقي رؤية الشيخ زايد والشيخ راشد وإخوانهما الحكام المؤسسين، تشكلت معادلة إماراتية فريدة، جعلت الوحدة طريقاً للتنمية، والتنمية مصدراً للانتماء، والانتماء طاقة متجددة لحماية الاتحاد.

وتكشف قراءة هذا اليوم عن العلاقة العميقة بين الاتحاد والهوية الإماراتية.. فالهوية الوطنية تشكلت من تنوع البيئات والخبرات والمهن والقيم التي عاشها المجتمع قبل قيام الدولة من الغوص وصيد اللؤلؤ وصناعة السفن، إلى حياة البادية والصقارة وتربية الإبل، وصولاً إلى الزراعة والأفلاج والحرف الجبلية.

وقد منح الاتحاد هذا التنوع إطاراً وطنياً جامعاً، فاحتفظت كل بيئة بخصوصيتها، وأسهمت في الوقت نفسه في تكوين الشخصية الإماراتية بما تحمله من صبر وكرم ومروءة وقدرة على التكيف.

وفي قلب هذه الشخصية يقف التراث الثقافي غير المادي، وفي مقدمته السنع الإماراتي، وآداب المجالس، واحترام الكبير، وإكرام الضيف، وإغاثة الملهوف، وروح الفريق الواحد. هذه القيم صنعت الأرضية الأخلاقية التي استند إليها الاتحاد.

وحفظت التماسك الاجتماعي خلال مراحل التحول السريع.. ومن هنا يصبح صون التراث امتداداً لعهد الآباء المؤسسين، لأن الذاكرة الوطنية تمنح التنمية معناها، وتربط الإنجاز الحديث بالقيم التي مهدت له عبر أجيال طويلة.

واليوم يقود صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، مسيرة هذا العهد برؤية تستوعب روح التأسيس ولغة القرن الحادي والعشرين. يضع سموه المواطن في قلب الخطط الوطنية، ويمنح التعليم والابتكار والذكاء الاصطناعي والاقتصاد المعرفي مكانة مركزية في صناعة مستقبل الإمارات..

وفي الوقت ذاته يرسخ سموه قيم الهوية والتلاحم الأسري والمواطنة الإيجابية، إيماناً بأن الريادة العالمية تحتاج إلى إنسان راسخ الجذور، واسع المعرفة، قوي الانتماء، وقادر على تمثيل وطنه بكفاءة وثقة.

ويمتد عهد الثامن عشر من يوليو اليوم نحو مئوية الإمارات 2071، حيث تتحول المواطنة إلى مشاركة معرفية وإنتاجية متقدمة.. فخدمة الوطن في عصر الذكاء الاصطناعي تتجسد في الابتكار، والتفوق العلمي، وحماية الفضاء الرقمي.

وتمثيل الدولة بصورة تليق بمكانتها، والمساهمة في تحقيق مستهدفاتها التنموية.. وفي هذا المعنى يحمل كل جيل جزءاً من الوعد الأول، ويضيف إليه علماً وعملاً ومسؤولية.

إن ذكرى الثامن عشر من يوليو تمنحنا فرصة سنوية لقراءة الاتحاد من زاوية أعمق، فهو عهد حي يسكن مؤسسات الدولة وذاكرة تتناقلها الأسر، وقيمة أخلاقية توجه السلوك الوطني، ومشروع مستقبلي تتسع آفاقه مع كل إنجاز جديد. ومن وفاء القيادة، وإخلاص الشعب، ووعي الأجيال القادمة، تستمر قصة الإمارات، قوية بجذورها، واثقة بحاضرها، وماضية نحو مئويتها بروح الآباء المؤسسين وطموح وطن اختار منذ البداية أن يصنع المستحيل.