عندما تتحول المأساة إلى «ترند» والتوعية إلى عدوى

في عتمة غرفة هادئة يجلس شاب في مقتبل العمر أمام شاشة هاتفه الذكي، يتابع قصة متعافٍ من الإدمان يروي كيف خسر كل شيء قبل أن يستعيد حياته من جديد. النية هنا نبيلة، فالمنصة تسعى إلى التوعية، والضيف يريد أن يحول تجربته المؤلمة إلى رسالة أمل للآخرين، لكن الرسائل لا تقاس بالنوايا وحدها، بل بكيفية استقبالها لدى مختلف فئات الجمهور، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة وتأثراً، فالمراهق أو الشاب في مرحلة التكوين لا يقرأ هذه القصص بالطريقة نفسها التي يقرؤها الخبير أو المختص، وقد يرى بعضهم في الضيف شخصاً انتصر على محنته وأصبح محط اهتمام إعلامي وجماهيري، فتطغى صورة البطل على صورة الضحية، وهنا يكمن أحد أهم تحديات الاتصال الوقائي، فكلما غلب الطابع الدرامي على السرد، تراجع الأثر الوقائي لدى بعض المتلقين، وتحول الاهتمام من عواقب السلوك إلى شهرة التجربة.

وحين يسترسل الضيف بعفوية في الحديث عن تفاصيل البداية، وكيف حصل على المادة المخدرة، أو كيف كانت نوبات الهلع وإيذاء النفس، فإنه يظن أنه يحذر الآخرين، بينما قد تتحول هذه التفاصيل لدى بعض الأشخاص المعرضين للخطر إلى نماذج قابلة للمحاكاة أو إلى وسيلة لتقليل رهبة التجربة الأولى، لا يحدث ذلك مع الجميع، لكنه احتمال تشير إليه دراسات في علم النفس والإعلام، خاصة عند الفئات الأكثر هشاشة، ويزداد كلما غابت الضوابط المهنية في تقديم القصص الإنسانية الحساسة، الفارق الجوهري بين صانع المحتوى الساعي إلى الانتشار، وخبير الوقاية أن الأول يقيس نجاحه بحجم الانتباه، بينما يقيسه الثاني بقدرته على إحداث تغيير سلوكي إيجابي وآمن.

ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية، فعندما تهيمن عقلية الانتشار على عقلية الوقاية، قد تنحرف الرسالة دون قصد عن هدفها الأساسي، ولهذا فإن المطلوب ليس منع قصص المتعافين، وإنما إخضاعها لحوكمة علمية تضمن أن تحقق أثرها الوقائي لا أن تخلق أثراً عكسياً.

ولتحقيق ذلك يمكن أن تدار هذه اللقاءات وفق بروتوكول إعلامي واضح يحد من الارتجال، ويقلل التركيز على تفاصيل السقوط، مقابل توسيع مساحة الحديث عن رحلة التعافي نفسه، فبدلاً من الخوض في كيفية البداية أو وسائل الحصول على المخدرات، ينبغي أن ينصب الحوار على رحلة التعافي، وكيف تجاوز الانتكاسة، وأعاد بناء علاقاته، وما الأدوات النفسية والسلوكية التي ساعدته، وما الدور الذي قامت به الأسرة والمؤسسات العلاجية في دعمه، وبهذا تتحول الحلقة من صناعة الدراما إلى صناعة التعافي.

ومن الأفكار الجديرة بالتطبيق أيضاً إدراج فواصل قصيرة أثناء الحلقة، يظهر فيها طبيب نفسي أو خبير وقائي ليشرح بلغة علمية السلوك الذي ورد في حديث الضيف، ويبين مخاطره والطريقة الصحيحة للتعامل معه، مثل هذه الفواصل تعيد تنشيط التفكير النقدي لدى المشاهد، وتمنع اندماجه العاطفي الكامل مع القصة، بما يحد من احتمالات التأثر السلبي.

كما أن نجاح حملات التوعية لا ينبغي أن يقاس بعدد المشاهدات أو التفاعلات، وإنما بعدد الأشخاص الذين انتقلوا من المشاهدة إلى طلب المساعدة، ولذلك فإن توفير رمز استجابة سريع (QR) أو خط ساخن مجاني وآمن للتواصل مع جهات الاختصاص يجعل قياس الأثر قائماً على السلوك الإيجابي، لا على الفضول الإعلامي، فالحملة التي تحقق ملايين المشاهدات ولا تدفع محتاجاً واحداً إلى طلب المساعدة، قد تنجح إعلامياً لكنها أخفقت وقائياً.

إن القضية ليست في رواية قصص التعافي، بل في الكيفية التي تروى بها، فالتوعية ليست نقلاً للتجارب فحسب، وإنما عملية تأثير سلوكي تستوجب أن تبنى على أسس علمية تراعي طبيعة المتلقي، وتحد من الآثار غير المقصودة للرسالة.

إن حماية الوعي المجتمعي في عصر الإعلام الرقمي تتطلب شجاعة في الانتقال من الاستعراض إلى التحصين، فالنوايا الطيبة وحدها لا تحمي المجتمعات، بل تحميها الرسائل التي تبنى وفق أسس علمية، وتدار بحوكمة إعلامية تدرك أن الكلمة قد تعالج إن أُحسن توظيفها، وقد تحدث أثراً عكسياً إن تركت لعفويتها.

وفي هذا السياق، يأتي إطلاق الجهاز الوطني لمكافحة المخدرات لمنصة «حصن»، ضمن حملة «توحيد الصف.. لاستئصال الآفة»، تجسيداً عملياً لهذا التحول في مفهوم التوعية، فالمنصة لا تكتفي بإيصال الرسالة، بل توفر قناة آمنة وسرية للتواصل مع المختصين، انطلاقاً من قناعة بأن نجاح التوعية لا يقاس بحجم من استمع إلى الرسالة، وإنما بعدد من غيّرت الرسالة سلوكهم ودفعتهم إلى طلب المساعدة بثقة وأمان.