الأجيال المعجزة

كثيرون يسمونهم جيل Z، وآخرون يطلقون عليهم جيل «الآيباد» أو جيل الشاشات. أما أنا فأراهم النماذج الأولى لجيل مختلف، جيل قد يغير مسار الحضارة الإنسانية كما غيرتها من قبل الطباعة والكهرباء والإنترنت. نحن لا نشاهد مجرد أطفال يستخدمون أجهزة ذكية، بل نشاهد بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين الإنسان والمعرفة.

للمرة الأولى في التاريخ، يولد طفل وفي متناول يده مكتبة البشرية بأكملها. سؤال يخطر في ذهنه لا ينتظر ساعات ولا أياماً ليجد إجابته، بل يحصل عليها خلال ثوانٍ، مدعومة بالصورة والصوت والفيديو والمحاكاة والذكاء الاصطناعي. هذه البيئة المعرفية لم يعرفها أي جيل سبق، ولذلك فمن الطبيعي أن تنتج طريقة مختلفة في التفكير والتعلم والإبداع.

العلم يخبرنا أن الدماغ البشري أعظم آلة عرفتها الطبيعة. تشير تقديرات علم الأعصاب إلى أن قدرته التخزينية هائلة، كما يضم نحو 86 مليار خلية عصبية ترتبط فيما بينها بشبكة معقدة من الوصلات التي تتغير باستمرار مع التعلم والخبرة. وكل معلومة جديدة، وكل مهارة يكتسبها الإنسان، تترك أثراً في هذه الشبكة المذهلة. لذلك فإن الدماغ لا يتوقف عن إعادة تشكيل نفسه طوال الحياة.

والأكثر إثارة أن الأطفال يولدون بقدرة استثنائية على بناء الروابط العصبية. ففي السنوات الأولى تكون أدمغتهم غنية بعدد هائل من الوصلات العصبية، ثم تبدأ عملية دقيقة تعرف بـ «التشذيب العصبي»، حيث يتخلص الدماغ من الروابط الضعيفة ويقوي الروابط الأكثر استخداماً. إنها عملية هندسية مذهلة تجعل التفكير أكثر سرعة وتنظيماً مع التقدم في العمر.

لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو: كيف ستكون نتائج هذه العملية عندما ينشأ الطفل منذ ولادته في بيئة يقودها الذكاء الاصطناعي؟

لا أعتقد أننا ندرك حتى الآن حجم التحول القادم. فالذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد أداة للإجابة عن الأسئلة، بل سيصبح معلماً، ومساعداً، ومصمماً، ومترجماً، وشريكاً في التفكير. وسيعتاد الطفل على الحوار مع أنظمة قادرة على الشرح والتحليل وإنتاج الأفكار في أي وقت يشاء. وهذا يعني أن الزمن الذي كان يستهلكه الإنسان في البحث عن المعلومة سيتحول إلى زمن مخصص للتفكير وصناعة الأفكار والابتكار.

وربما لهذا السبب أرى أننا نقف أمام بداية عصر الأجيال المعجزة. ليس لأنهم سيولدون بعقول مختلفة، وإنما لأن البيئة التي ستصنع عقولهم مختلفة تماماً عن كل ما عرفته البشرية. فالأجيال السابقة كانت تبحث عن المعرفة، أما هذه الأجيال فستجعل المعرفة تبحث عنها وتأتي إليها في اللحظة التي تحتاجها.

ومع ذلك، فإن التكنولوجيا وحدها لا تصنع العباقرة. فالعقل يحتاج إلى قيم، وانضباط، وفضول، وقدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم. الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم الإجابة، لكنه لا يستطيع أن يمنح الإنسان الضمير، ولا الحكمة، ولا المسؤولية الأخلاقية. ولذلك فإن الأسرة والمدرسة ستبقيان شريكين أساسيين في بناء الإنسان مهما بلغت قدرات التقنية.

التاريخ يعلمنا أن كل ثورة تقنية كانت تمهد لثورة أكبر منها. واليوم يبدو أننا نعيش اللحظات الأولى لثورة لن تقتصر على تطوير الأجهزة، بل ستعيد تشكيل طريقة تفكير الإنسان نفسه. وربما بعد خمسين عاماً سيقرأ أحفادنا عن هواتفنا الحالية بالطريقة نفسها التي نقرأ بها نحن عن أول آلة كاتبة أو أول جهاز فاكس.

قد يختلف البعض مع هذا التصور، لكنه في نظري ليس حلماً بعيداً، بل بداية مسار نراه يتشكل أمام أعيننا كل يوم. إننا لا نعيش عصر الذكاء الاصطناعي فحسب، بل نعيش مرحلة إعداد أجيال ستتجاوز قدراتها المعرفية ما اعتدناه عبر قرون طويلة.

وعندما تصل هذه الأجيال إلى مواقع القيادة في العلم والاقتصاد والسياسة، قد يكتشف العالم أن كل ما اعتبرناه حتى اليوم قمة التطور لم يكن سوى المقدمة، وأن المستقبل الحقيقي بدأ مع أول طفل تعلم أن يحاور الذكاء الاصطناعي قبل أن يتعلم الكتابة بالقلم.