الشاي في التراث الغنائي العراقي

تحدثنا في مقال سابق عن أغنية «خدري الشاي خدريه» العراقية الخالدة، من كلمات عبد الكريم العلاف (وقيل من كلمات ملا سليمان الشكرجي)، وألحان الأخوين صالح وداوود الكويتي، وغناء سليمة باشا مراد، وبيّنا المكانة الرفيعة للشاي في الثقافة العراقية، وفي طقوس البغداديين اليومية تحديداً، باعتباره مشروب العراقيين الأول، ورمز حسن الضيافة والتعبير عن الود، وعشقهم الذي يفوق عشق الهنود والسريلانكيين له.

فالشاي عند العراقيين هو الـچاي، حيث تقلب الشين إلى الجيم الفارسية، ولا يُشرب إلا في «إستكانه»، أي فنجان مخصوص من البلّور، وليس في الأقداح، كما في مصر، وهو غير مقبول عند البغداديين إذا لم يكن «سنكين»، أي كثيف ومطبوخ.

نشر الباحث والمؤرخ والسياسي العراقي طارق حرب قبل وفاته بعام، أي في عام 2021، ملفاً عن الشاي والأغاني التراثية البغدادية المرتبطة به، ورد فيه ما مفاده أن الشاي صاحب حضور دائم على موائد العراقيين منذ العصر العثماني، لكن البعض يربط مكانته السامية وعشق العراقيين له بدخول الإنجليز إلى بغداد سنة 1917، حيث عُرف الإنجليز بحبهم لتناول الشاي في أوقات محددة من النهار، ووفق طقوس معينة، على الرغم من أنهم، على خلاف العراقيين، يشربونه خفيفاً ويخلطونه مع الحليب.

ويضيف هذا البعض أن مكانة الشاي تعززت في الثقافة العراقية مذاك، وصار رفيق العراقيين في كل زمان ومكان، ليلاً ونهاراً، صيفاً وشتاء، كما صار عدم تقديم الشاي للضيف تصرفاً له دلالات معينة، وصار الضيف العراقي الذي لا يشرب الشاي استثناء ونادراً.

إلى ما سبق، صار للشاي عند العراقيين أدوات خاصة لطهيه وإعداده، مثل «السماور» و«القوري» و«الكتلي»، والصحون الخزفية الدائرية الصغيرة، والملاعق الصغيرة المذهبة الأنيقة، بل صارت المرأة العراقية تفتخر بامتلاكها هذه الأدوات في مطبخها.

بالعودة إلى الأغاني العراقية التي تغنت بالشاي، نجد أن أغنية «خدري الشاي خدريه»، ليست سوى واحدة فقط ضمن تراث الغناء العراقي المكتنز بأغنيات تحدثت عن هذا المشروب بطرق مختلفة، ومن أكثر من زاوية.

ومنها أغنية يقول مطلعها: «مرّ يا حبيبي إشرب.. مرّ عند أهلنه إشرب چاي». وهذه أغنية سجها مطرب الأبوذيات والبستات الشعبي «مسعود العمارتلي» (1898 ــ 1944)، في بغداد، في ثلاثينيات القرن العشرين.

ومنها أيضاً أغنية غناها مطرب الريف الراحل «حضيري بوعزيز» (1909 - 1973)، إبان الحرب العالمية الثانية، حينما كان الشاي يتم توزيعه على الأهالي ببطاقات التموين، ويقول مطلعها «عمي يابو التموين مشي العريضة.. والسمرة عالچاي طاحت مريضة»، أي عجل بالتموين، لأن السمراء مريضة بسبب نقصان الشاي.

ليس هذا فقط، وإنما نجد في التراث الغنائي العراقي أيضاً أعمالاً غنائية بها مفاضلة بين الشاي الذي ينسب للعجم، والقهوة التي تنسب للعرب واليمن. ومن أمثلتها بستة «يا عطار قوللي اشجايبك.. انت من العجم وآني يمانيه»، التي هي عبارة عن حوار بين الشاي والقهوة، وغناها حضيري بوعزيزي وآخرون من فناني المقام العراقيين.

وعلى نفس المنوال، هناك حوار على لسان الشاي ولسان القهوة في أغنية أخرى، حيث يقول الشاي «آنه الچاي الحلو تزهي مواعيني.. بللور وبرنج ومعدن صيني»، أي أنا الشاي أتميز بالحلاوة والأواني الزاهية المصنوعة من البللور والمعادن النفيسة، فترد القهوة قائلة «آنه بنت اليمن وربات حاتم طي.. من بيت الكرم والجود وأهل الزي»، أي أنا القهوة التي يزرع بُنّها في أرض اليمن، وتشرب في مجالس حاتم الطائي رمز الجود والكرم. وهذه الأغنية كتبها الشاعر الشعبي الشيخ حمود أبوخزينة السوداني (ت: 1920)، بعد دخول الشاي إلى العراق وانتشاره على حساب القهوة العربية، وأداها أكثر من مطرب.