شروق الشمس كل يوم، بفضل الله تعالى، ودورانها في فلكها بدقة متناهية ونظام محكم، آية من آيات الله المستمرة منذ أن خلق الله الكون، وستبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
الحياة مليئة بالأسرار، والكون كذلك، بما يحمله من انضباط وقوانين دقيقة، وتناسقات وتراكيب بديعة، كلها من إرادة الخالق، عز وجل. نعجز عن الإحاطة بأسرارها، ونقف أمامها مؤمنين بعظمة صانعها.
ولا تتجلى هذه القدرة الإلهية في النظام الكوني وحده، بل تمتد إلى صناعة الإنسان، وبناء القيم، وغرس المبادئ التي تصنع أمماً وتخلّد أوطاناً. فكما أودع الله في الكون نظاماً لا يختل، أودع في الإنسان القدرة على أن يكون امتداداً لذلك النظام حين يُبنى على الإيمان والأخلاق والانتماء.
ولعل أجمل صورة لذلك شجرةٌ مثمرة؛ أينما غُرست أنبتت، وأينما أنبتت أثمرت، وأينما أثمرت صنعت حولها حياة جديدة. فلو أخذت غصناً من شجرة طيبة، وغرسته في أرض غير أرضه، وعلى تربة تختلف في خصائصها ومعادنها، فإنه، بإذن الله، ينبت شجرة تحمل الصفات نفسها، وتمتد جذورها ثابتة، وتبقى وفية لأصلها مهما اختلف المكان.
وأنا أُعِدُّ مقالة هذا الأسبوع، وعلى بُعد أميال من موطني، وجدتني أنجرف خلف عزفٍ بريء لطفلة تؤدي السلام الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة. عندها أيقنت أن الفرع الطيب لا يكون إلا من شجرةٍ طيبة، وأن الثمر لا يحمل إلا صفات أصله.
وهذه الشجرة المثمرة هي الشعب الإماراتي؛ جذورها راسخة في أرض الوطن، وأغصانها تمتد إلى العالم، لكنها لا تحمل إلا ثمراً طيباً. فأينما وجدت فرعاً من هذا الأصل، أدركت أن وراءه جذوراً لا تقتلعها المسافات، ولا تبدلها السنين.
فحب الوطن ليس فقط شعاراً يُردد، بل عقيدة انتماء، ووفاء يسكن القلوب، وهوية تتجلى في الأخلاق قبل الأقوال، وفي العطاء قبل الادعاء. ولهذا، أينما حل أبناء الإمارات، حملوا وطنهم في سلوكهم، وعلمهم، وإنجازهم، فكانوا خير سفراء لوطنهم، حتى غدت الإمارات تعرف بأبنائها، كما تعرف الشجرة الطيبة بطيب ثمارها.
وتبقى هذه إحدى أعظم سنن الله في خلقه؛ فكما لا تحيد الشمس عن مسارها، ولا تتخلف الشجرة الطيبة عن إثمارها، يبقى الأصل الكريم منبتاً للخير، ويظل الوطن الذي غرس القيم في أبنائه حاضراً فيهم أينما كانوا، يثمر وفاءً، ويورث عزاً، ويصنع أجيالاً تحمل اسمه بفخر. وحين أتأمل كل ذلك، لا أجد وصفاً أصدق من أن أقول بكل اعتزاز وافتخار: موطني... الشجرة التي لا تثمر إلا خيراً.