مذكرة تفاهم.. أم سوء تفاهم؟

عندما جلس المفاوضون والوسطاء في سويسرا، بدا المشهد كأنه بداية فصل جديد في واحدة من أكثر أزمات الشرق الأوسط تعقيداً.

كانت التصريحات تتحدث عن تهدئة، وعن خطوات لبناء الثقة، وعن تفاهمات يمكن أن تفتح الباب أمام مرحلة مختلفة، حتى إن لم تكن سلاماً دائماً، لكن ما جرى من استهداف للسفن في مضيق هرمز، ثم الرد الأمريكي بسلسلة جديدة من الضربات على أهداف داخل إيران.

واستهداف إيران لعدد من دول الخليج العربية والأردن، أعاد الجميع إلى نقطة الصفر، وربما إلى ما هو أبعد منها. هنا يفرض السؤال نفسه: هل كان ما خرج من سويسرا مذكرة تفاهم.. أم مذكرة سوء تفاهم؟

في العلاقات الدولية لا تُقاس الاتفاقات بما يُكتب على الورق، وإنما بما يحدث على الأرض. فإذا كانت المسيّرات لا تزال تتحدث، والصواريخ لا تزال تنطلق، والسفن التجارية لا تزال تتحول إلى أهداف، فإن اللغة الدبلوماسية تصبح مجرد غطاء رقيق لا يصمد أمام أول اختبار حقيقي.

المشكلة ليست في أن الاتفاقات تنهار، فالتاريخ مليء باتفاقات لم تعش أكثر من أيام أو أسابيع. المشكلة في أن الأطراف قد تكون ذهبت إلى طاولة التفاوض وهي تحمل تعريفات مختلفة لمعنى الاتفاق نفسه.

طرف يرى أن التفاهم هدنة مؤقتة لإعادة ترتيب أوراقه، وطرف آخر يراه بداية لمرحلة جديدة، وثالث يعتبره مجرد وسيلة لكسب الوقت. وعندما تختلف القراءات، يصبح الاصطدام مسألة وقت لا أكثر.

إيران، عبر سنوات طويلة، أثبتت أنها تجيد استخدام التفاوض بوصفه جزءاً من إدارة الصراع، لا بديلاً عنه. فهي تتفاوض حين ترى أن التفاوض يخدم مصالحها، وتصعّد عندما تعتقد أن التصعيد يمنحها أوراقاً إضافية.

ولذلك فإن أي اتفاق لا يقترن بآليات واضحة للرقابة والمحاسبة، يبقى معرضاً للانهيار عند أول منعطف. أما الولايات المتحدة، فهي تجد نفسها في كل مرة أمام المعادلة ذاتها. تريد تجنب حرب واسعة، لكنها لا تستطيع تجاهل أي استهداف للملاحة الدولية أو لمصالحها العسكرية والاقتصادية.

ولذلك فإن الردود الأمريكية غالباً ما تأتي تحت عنوان إعادة الردع، لا إعلان حرب شاملة، لكن المشكلة أن إعادة الردع تُقرأ من قبل الإيرانيين على أنها عجز أمريكي عن حسم المعركة.

أخطر ما في المشهد هو أن مضيق هرمز عاد مرة أخرى ليكون عنوان الأزمة، بعدما كان العالم يعتقد أن جوهر المشكلة يتمثل في البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية وشبكة الوكلاء الإقليميين. وكأن الملف انتقل من النقاش حول أسباب الأزمة إلى إدارة نتائجها، ومن معالجة المرض إلى التعامل مع أعراضه فقط.

هذا التحول ليس عفوياً، فعندما يصبح الحديث منصباً على أمن الملاحة، وأسعار النفط، وسلامة السفن، تتراجع القضايا الأخرى إلى الخلف، وتكسب طهران مساحة جديدة للمناورة السياسية. إنها معركة تغيير الأولويات، وهي معركة لا تقل أهمية عن أي مواجهة عسكرية.

والأمر لم يعد مقتصراً على تبادل الرسائل العسكرية، فقد كشفت صور أقمار صناعية حديثة عن أعمال إعادة بناء واستئناف نشاط في عدد من المنشآت النووية الإيرانية التي تعرضت لأضرار خلال الضربات السابقة.

وإذا صحت هذه المؤشرات، فإنها تثير تساؤلات جوهرية حول مدى التزام طهران بروح ما تم التوافق عليه في سويسرا، لأن أي تفاهم يهدف إلى خفض التوتر لا يمكن أن يتعايش مع خطوات توحي بالعودة إلى المربع الذي كان سبباً في اندلاع الأزمة أصلاً.

فإعادة بناء المنشآت النووية، حتى وإن قُدمت بتفسيرات فنية أو دفاعية، تمنح الانطباع بأن مسار البرنامج النووي مستمر، وأن التفاوض لم يكن سوى استراحة قصيرة بين جولتين من الصراع، لا بداية لمرحلة جديدة من بناء الثقة.

السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع اليوم ليس هو من أطلق الصاروخ الأول، ولا من رد بالضربة التالية، وإنما: هل لا تزال هناك إرادة سياسية حقيقية لإنقاذ مسار التفاوض؟

لأن استمرار الرسائل العسكرية بالتوازي مع الرسائل الدبلوماسية يعني أن أحد الطرفين، أو كليهما، لم يحسم خياره بعد بين الحرب والسلام. فهل كانت سويسرا شاهدة على ولادة مذكرة تفاهم، أم أنها كانت مجرد محطة كُتبت فيها مذكرة سوء تفاهم، لم يلبث الواقع أن مزقها مع أول موجة في مياه مضيق هرمز؟