المونديال.. أهداف في مرمى العنصرية

السطور المقبلة ليست كلاماً في كرة القدم وفنياتها، والمستويات المختلفة للفرق الـ 48 المشاركة في كأس العالم الحالية.

ولا على أخطاء التحكيم وغرف الفار ولا تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إلغاء البطاقة الحمراء، لكن الكلام سيكون منصباً على نقطة محددة وهي زيادة عدد اللاعبين ذوي البشرة السمراء في الفرق الأوروبية خصوصاً والغربية عموماً، ما وجه ضربة شديدة للتيارات العنصرية واليمينية المتطرفة في الغرب.

أليس غريباً أن معظم لاعبي بعض الفرق الأوروبية صاروا من ذوى البشرة السمراء، ويحققون لها بطولات كثيرة، في حين أن بعض سكان هذه الدول شديدي العنصرية؟ ألا تضرب هذه المفارقة النظرية العنصرية في مقتل؟!

هذا الموضوع ليس جديداً، لكنه صار ملحوظاً جداً في السنوات الأخيرة.

وصار أكثر وضوحاً في المونديال الأخير.

ففرنسا مثلاً؛ دخلت المونديال الحالي بـ٢١ لاعباً من أصول أفريقية، وإنجلترا بـ١٥ لاعباً وألمانيا بتسعة لاعبين، وهذا أمر متكرر في عدد كبير من الفرق الأوروبية، لدرجة أن أحد المعلقين الكرويين قال ساخراً: إن ما نشاهده الآن في أمريكا وكندا والمكسيك ليس كأس العالم التي كنا نعرفها دائماً، بل كأس الأمم الأفريقية!

عدد اللاعبين المشاركين في بطولة كأس العالم الحالية نحو ١٢٤٨ لاعباً، وهناك ١٥٦ لاعباً في الفرق الأفريقية معظمهم من ذوى البشرة السمراء.

وتقديرات الباحثين الرياضيين تشير إلى أن عدد اللاعبين ذوي البشرة السمراء قد يصل إلى ٤٥٠ لاعباً بنسبة تبلغ ٣٦٪ أي ثلث عدد المشاركين، ويظل هذا التقدير غير رسمي، لأن الاتحاد الدولي لكرة القدم لا يصنف الفرق على أساس اللون والبشرة.

وطبقاً لبيانات وإحصائيات الفرق الأوروبية الكبرى فهناك ١٤ لاعباً من ذوى البشرة السمراء في باريس سان جيرمان بنسبة ٥٥٪، و ١٥ لاعباً في تشيلسى الإنجليزى بالنسبة نفسها تقريباً، و١١ لاعباً في مانشستر سيتى بنسبة ٤٠٪، و9 لاعبين في ريال مدريد بنسبة ٢٠٪، و٦ لاعبين في بايرن ميونخ الألماني بنسبة ٢٠٪ والنسبة نفسه تقريباً في فرق بروسيا دورتموند وأتليتكو مدريد وإنتر ميلان ويوفنتوس وبنفيكا وبورتو وسالزبورج.

والنسبة الإجمالية لعدد اللاعبين من ذوي البشرة السمراء تتراوح بين ٢٨ إلى ٣٥٪ في الأندية الأوروبية الكبرى، وهى أعلى في الفرق الفرنسية والإنجليزية والبلجيكية والنمساوية.

غالبية هؤلاء اللاعبين إما أنهم ولدوا في الدول الأوروبية كجيل ثانٍ أو ثالث لمهاجرين، أو حصلوا على جنسياتها بحكم مهاراتهم الكروية الملفتة.

وكما هو معلوم فإن عام 1998 مثّل صدمة كبرى للتيار العنصري في فرنسا التي شهدت ولا تزال مبدأً واضحاً للتيارات اليمينية القومية الشعبوية خصوصاً من حزب «الجبهة الوطنية» الذي يطالب بطرد المهاجرين.لكن أكبر ضربة تعرض لها هذا الحزب وأمثاله، هو حينما فاز المنتخب الفرنسي ببطولة كأس العالم عام ١٩٩٨، وكان غالبية اللاعبين من أصول أفريقية أو كاريبية ونتذكر منهم زين الدين زيدان وليليان توران وباتريك فييرا وتيرى هنري.

المتطرفون الفرنسيون الذين يتبنون شعار طرد المهاجرين صدموا أن من حقق لهم الانتصار بالأساس هم هؤلاء اللاعبين السود.

هذا المثال المهم جداً في فرنسا بعد عام 1998صار رمزاً للنقاش حول الهوية والاندماج في فرنسا والغربفي كل مرة تنشط الدعاية اليمينية ضد المهاجرين وذوي البشرة السمراء والملونة. يصطدم السكان البيض في هذه البلدان بأن اللاعبين ذوي البشرة السمراء هم سبب سعادتهم وتحقيق البطولات سواء في الأندية أو المنتخبات.

في عام ١٩٩٨ قال البعض إن زين الدين زيدان وزملاءه هزموا جان ماري لوبان بالضربة القاضية وسجلوا هدفاً تاريخياً في شباك التطرف الفرنسي. لكن الأصح أن التيار المتطرف استمر في أوروبا، وحقق نتائج جيدة في عدد من الانتخابات الأوروبية.

ودليل آخر مهم هو أن الهتافات العنصرية في مدرجات الملاعب لا تزال مستمرة ضد اللاعبين السود، ومنهم على سبيل المثال لاعب ريال مدريد البرازيلي فينسيوس جونيور الذي يتعرض دائماً للإساءة من الجمهور الأوروبي، بل ومن لاعبين ذوي بشرة بيضاء.

وقد دفع هذا التنمر الاتحاد الدولي لكرة القدم لإصدار ما سمى بقانون بريستيالي، قاعدة هذا الاتهام هي: «إذا لم يكن لديك ما تخفيه فلا تخف فمك أثناء حديثك مع المنافسين».

وقد تم تطبيق هذه القاعدة بالفعل لأول مرة في كأس العالم الحالي وتم طرد لاعب فريق باراغواي ميجيل ألميرون حينما أخفى فمه خلال حديثه مع لاعب المنتخب التركي ميرت مولدور.

ومن الواضح أن العنصرية لن تختفي بين يوم وليلة من الملاعب الأوروبية، لكن المؤكد أنها تلقت ضربات موجعة من أقدام اللاعبين ذوي البشرة السمراء في هذه الملاعب الذين بعثوا برسالة مهمة عبر أقدامهم ورؤوسهم خلاصتها أن الجدارة والإجادة والكفاءة والتفوق والتميز بالجهد والعرق والاجتهاد والتعلم وليس بلون البشرة.