هذا يوم له ما قبله بمثل ما سوف يكون له ما بعده في فنلندا، وإذا كان لا يزال إلى اللحظة يوماً فنلندياً، فسوف لا يلبث حتى يصير يوماً عالمياً، وسوف لا يلبث حتى يصبح له ظل في كل دولة.
أما اليوم الذي أقصده فهو الأول من هذا الشهر، لأن فيه أعلنت الحكومة الفنلندية إجراء آخر مكالمة تليفونية بالتليفون الأرضي، ومن بعده صار التليفون الأرضي نوعاً من الذكرى بين الفنلنديين، وقد كان من قبل جزءاً حياً من حياة كل فنلندي بالتأكيد.
نذكر أن أول مكالمة جرت بالتليفون المحمول، أو الموبايل، كانت في نيويورك في الثالث من أبريل عام 1973، ولا تزال صورة المهندس الأمريكي مارتن كوبر الذي أجراها لا تفارق الأذهان، وكان قد أجراها مع مهندس منافس له اسمه جويل إنجل، وكان يخبره أنه يكلمه من تليفون محمول لا من تليفون أرضي، وكان كوبر يعمل في شركة موتورولا.
كان جهاز الموبايل في يده ضخماً إلى حد لا يُصدق، ومما قيل في حجمه أنه كان في حجم طوبة من طوب البناء!
لنا بالطبع أن نتخيل أن ذلك الجهاز قد بقي على حجمه، وأن كل صاحب موبايل كان عليه أن يحمل جهازاً بهذا الحجم في يده! ولا بد أن الذين شاهدوه في صورته الأولى لم يتخيلوا أنه سوف يتطور ليصبح على الأشكال والألوان التي صار إليها، بعد أن مرّ بكل مراحله من ساعتها إلى اليوم، ولا بد أيضاً أن كثيرين بيننا تمنوا لو يبقى التليفون الأرضي على حاله، لأنهم عرفوه وتآلفوا معه وأحبوه، وصارت لهم معه ذكريات لا يحبون أن يغادروها.
من يومها في عام 1973 راح الموبايل يخطو خطواته، وكان كلما خطا خطوة جاءت بكل أسف على حساب التليفون الأرضي، وإذا شئنا الدقة قلنا إن كل خطوة من جانبه كانت تأتي مخصومة من عُمر الأرضي!
ذلك أنه لا معنى للقرار الذي اتخذته هيئة الاتصالات الفنلندية بإنهاء خدمة تليفونها الأرضي، إلا أنه قد خطا آخر خطوة له فوق الأراضي الفنلندية، ولم تكن هذه الخطوة سوى حصيلة لخطوات خطاها التليفون المحمول في المقابل، بدءاً من 3 أبريل عام 1973 في نيويورك إلى الأول من يوليو في فنلندا، ثم إلى ما شاء الله في بقية بلاد العالم!
بعضنا لا يزال يأخذه الحنين إلى أيام التليفون الأرض «أبو قُرص» كما يوصف أحياناً، وبعضنا يزيد حنينه إليه كلما شاهده في الأعمال الدرامية القديمة التي يعرضها التلفزيون. فلا شك أن رنينه كان له وقْعه في الأُذن، وكان رنينه ولا يزال يحمل الكثيرين منا إلى أيام كان التليفون الأرضي إذا رن تسابق أطفال البيت إلى محاولة الرد عليه.
كان هذا التليفون إذا دخل القرية المصرية في أول ظهوره في مصر بقي في بيت واحد، وكان هذا البيت هو بيت العمدة، ولم يكن في القرية تليفون آخر، ولم يكن أحد من أبناء القرية يستطيع استقبال مكالمة أو الاتصال بآخر، إلا من خلال بيت العمدة، وإلا إذا توجه إليه للاستئذان في استقبال اتصال أو في إجراء مكالمة مع طرف آخر.
وقد بقي التليفونان.. الأرضي والمحمول.. يصارع بعضهما البعض ويسابق كلاهما الآخر، وكان الأمل ولا يزال أن يبقى الاثنان إلى جوار بعضهما البعض، ولكن الخبر الذي جاءنا من فنلندا يبدد الكثير من هذا الأمل.
كان هذا الأمل يقوم على أساس أنه لا توجد وسيلة طارئة تلغي أخرى قديمة، ففي الإعلام مثلاً بقيت الصحيفة مع ظهور الإذاعة، فلما ظهر التلفزيون بقيت الجريدة ومعها الراديو، فلما هجم علينا الإعلام الرقمي، عشنا نرى الصحف كما هي، والإذاعة كما عرفناها، والشاشة الصغيرة كما بقينا نتابعها ونشاهدها ونستمتع بها. صحيح أن ذيوع الصحيفة والراديو والتلفزيون، ليس هو الذيوع القديم، ولكنها الثلاثة موجودة وقائمة ولها جمهورها.
وإذا كان هناك شيء سوف يحن إليه الذين استخدموا التليفون الأرضي، فهذا الشيء هو الخصوصية التي كان يوفرها لصاحبه ولا يوفرها المحمول. سوف يحن كثيرون من بيننا إلى تلك الأيام.الصفحة التي طوتها فنلندا بطي تجربة التليفون الأرضي، هي صفحة عزيزة على كل مواطن هناك أدرك أيام هذا التليفون أو استخدمه. هي صفحة سوف تبقى في ذاكرة الناس، وسوف يظل صاحبها يذكرها فيذكر معها أياماً عاشها وتمنى لو تدوم.
التليفون الأرضي رغم انحسار وجوده يظل مثيراً للحنين، واختفاؤه من حياة الناس اختفاء للكثير من المعاني الإنسانية الجميلة.