طلب كسرى من النعمان بن المنذر جواداً عربياً أصيلاً، فاستكثره عليه ولم يُجِب طلبه، ثم أرسل له بعد فترة خاطباً لنفسه ولأبنائه للزواج من بنات النعمان، فأبى العربي الشريف، الذي استكثر حصاناً عربياً على فارسي، أن يزوّجه كرائم بنات العرب، فعقد كسرى العزم على قتل النعمان غيلةً، فأرسل إليه ليأتيه ليناقشه في بعض الأمور، ففطن لذلك النعمان وطاف وأهله على بعض قبائل العرب لينصروه، فجَبُن أكثرهم، حتى وصل لهانئ بن مسعود زعيم بني شيبان فقال له: «إن كل أمر يجمل بالرجل أن يكون عليه إلا أن يكون بعد المُلك سُوقة، والموت نازل بكل أحد، ولأن تموت كريماً خير من أن تتجرع الذل».
فذهب النعمان لمقابلة كسرى فأمر بقتله تحت أرجل الفيلة كما يُروى، ثم أراد أن يأخذ بنات النعمان غصباً من عند هانئ بن مسعود الشيباني فرفض، ودعا قبائل العرب لنصرته بعد أن علم بمسير جيش الفرس وأذنابهم من العرب إليه، فأتته بكر بن وائل وأتى سيدها حنظلة بن ثعلبة العجلي، فقال له بعض المثبطين والخوّارين من «خبراء التهدئة والتوازنات»: «إنّ اللَّخيَّ (الخسارة اليسيرة) أهون من الوَهيِّ (الانهيار التام) وإنّ في الشر خياراً، ولأن يفتدي بعضكم بعضاً خير من أن تصطلموا جميعاً»، فقال حنظلة بعزة العربي الأصيل: «قبّح الله هذا الرأي، لا تجرّ أحرار فارس غُرلها ببطحاء ذي قار وأنا أسمع الصوت»، وأمر بخيمته أن تُنصَب وأقسم ألا يتحرك من القتال إلا أن تهرب الخيمة!
فكانت معركة العرب الأشهر في جاهليتها (ذي قار) بين جيشٍ غاشمٍ وقيادة متعالية وأذنابٍ خونة من سفهاء العرب وجبنائهم، وبين سادة العرب الذين قالوا «لا» بملء أفواههم، وهم يعرفون حق المعرفة فارق القوة والعُدّة والعتاد، لكن الكريم لا ينحني، والعزيز لا يرضى الهوان، والعربي لا يقبل بنقاش الخيارات إن كانت الكرامة على المحك، فالموت أشرف من حياة ثمنها الذل وتقبيل الأعتاب، بل حتى عبيد العرب لم يكونوا يقبلون بالمهانة ومبدأ «التوازنات والدبلوماسية المرنة»، فها هو ذا عنترة يقول:
لا تَسقِني ماءَ الحَياةِ بِذِلَّةٍ
بَل فَاِسقِني بِالعِزِّ كَأسَ الحَنظَلِ
عندما سقطت طليطلة بيد ألفونسو السادس، خاف بعض أمراء الطوائف أن يكون الدور عليهم، وبدلاً من أن يتحدوا ويقفوا كالرجال أمامه، تسارعوا في تهنئته وأرسلوا «وفود» الذل والخنوع، وبالغ عبدالملك بن هذيل أمير شنتمرية فذهب بنفسه في وفد، حاملاً الهدايا الفاخرة والخيل الأصيلة وأقمشة الحرير والتحف والجواهر ليُبارِك لألفونسو احتلاله مدينة عربية مسلمة، فما كان من ألفونسو إلا أن أهداه «قرداً» إمعاناً في إهانته، لكن حاشية ابن هذيل و«ذبابه الإعلامي» بذلك الوقت صوّروا هذا القرد تكريماً وتقديراً لأميرهم، وأنّ من يرى غير ذلك لا يعدو أن يكون حاسداً تُقَطِّع قلبه الغيرة!
لم يخفَ على أحد كراهية الفرس للعرب في القديم، ولا حقدهم وتآمرهم عليهم في العصر الحالي، وقد بيّنت الأحداث الأخيرة أن هذه الفئة الغادرة طيلة 47 سنة، وهو عمر ثورتها المشؤومة، كانت تجتهد ليل نهار في بناء وتطوير ترسانتها العسكرية لاحتلال وتدمير دول الخليج، لذلك عندما بدأ الضرب الأمريكي والإسرائيلي في تدمير قواعدها الهجومية، قاموا بتقديم خطّتهم المجرمة سريعاً وبدؤوا بقصف دول الخليج ليل نهار، ومُغيَّب عن الواقع ذاك الذي يظن هجومهم كان انتقاماً من الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، فقد كان استهدافهم الإمارات وبقية دول الخليج أضعافاً مضاعفة لما أُطلِقَ على إسرائيل، وكلنا يعلم ما حدث إثر ذلك، فقد بانت مواقف الرجال من مواقف أشباه الرجال!
منذ أيام أصاب البعض فقدان ذاكرة، أو فقدان توازن، أو فقدان كرامة، فرأينا وفوداً خليجية تهرع لتأبين الهالك غير المأسوف عليه، مجرم الحرب علي خامنئي، وألجمت أفواهنا الدهشة ونحن نرى أبطال الشاشات بالأمس الذين ملؤوا الدنيا تهديداً وهم يمشون مُطَأطئي الرؤوس ليقفوا أمام جثمانه في مشهد يُضحِك الحزين، وإمعاناً في إهانتهم اختار الفرس آيات قرآنية لتصف هؤلاء بأنهم لم يقفوا مع الفرقة التي كانت تدافع عن الدين ضد الفئة الظالمة، وتصف أخرى بأنهم قد عُفِيَ عنهم، وثالثة بأنهم لم ينتصروا للحق، في تلاعب منحط بآيات الله تعالى من قِبَل مجرمين عاثوا في الخليج والعراق والشام واليمن دماراً وتخريباً وقتلاً، وليبلع أعضاء وفود التعزية مرارة الذل وغصّة الإهانة، ولكن كما قال المتنبي:
مَن يَهُن يسهل الهوانُ
عليهِ ما لِجُرْحٍ بِمَيَّتٍ إيلامُ
إن الدبلوماسية بابٌ من أبواب إدارة المصالح، لكنها لم تكن يوماً «فِلْتر» لتحويل العدو إلى صديق والمجرم إلى «بطل» و«شهيد» تُراق أمامه دموع الجُبن، وتساق لأعتابه وفود الانكسار، وفود ذهبت غير مشكورة وعادت غير مبرورة، وكم كان مثلجاً للصدر قول وزير خارجيتهم بأنّهم لم يقوموا بدعوة الدول المعادية في تلميح لدولة الإمارات تحديداً، وهذا أمرٌ حملنا شرفه كأجدادنا العرب النبلاء، فلا حياة دون كرامة ولا دبلوماسية دون عزّة، أما «وفدنا» لهم فيعرفونه جيداً، فليس بـ«مجهول»!